• ×

04:01 مساءً , الأربعاء 26 سبتمبر 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة شمس ومطر على جدار واحد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة
شمس ومطر على جدار واحد


د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية


لا شيء في هذا المكان يذكّرها بالشّمس الجميلة المشرقة على الرّغم من ارتفاع حرارة الجوّ إلاّ وجه ذلك الشّاب الفلسطينيّ الذي اعتادت على أن تراقب قسماته في كلّ صباح وهو يعبر بوابة الجدار العازل حيث يمرّ بالمكان جبريّاً ليعبر إلى الطرّيق السّريع باتجاه عمله،منذ وقعت عيناها عليه في صباح مشمس شعرت بالدّفء الحاني بدل الحرارة اللافحة التي كانت تحرقها في مكانها،وتجعلها تلعن اللّحظة التي جعلتها تترك هنغاريا،وتجري خلف أساطير كاذبة عن أرض الميعاد.
في حقيقة الأمر هي كانت تبحث عن فرصة جديدة للحياة والعمل والدّراسة بعيداً عن صديقها البلجيكيّ الذي خدعها وسرق أموالها مرّة تلو الأخرى،وفي منأى عن زوج أمّها السّكير الذي اعتاد على التّحرّش الجنسيّ بها منذ كانت صغيرة.
جاءت إلى هنا طلباً لفرصة جديدة في الحياة،فلم تجد إلاّ القهر والخوف والعمل المضني ليل نهار،في هنغاريا درست رقص البالية الذي تحبّه،ويليق بجسدها المرمريّ الذي يخبّ خبّاً كحصان أسطوريّ مجنّح بأردية من سحر ليجيد الرّقص بين السّحاب،ما كانت تتخيّل أبداً أن تقودها الظّروف والخيبات المتتابعة والوحدة والفشل المستمرّ والخوف من العودة إلى هنغاريا لتتطوّع لتكون مجنّدة في الجيش الصّهيونيّ لتقف على الأبواب،وتعدّ أنفاس الفلسطينيين،وتبادلهم كرهاً بكره دون أن تعرف مسوّغاً مقبولاً لذلك سوى موجبات عملها الكريه،ثم تعود إلى بيتها مساءً محطّمة،وتنزف نفسها تقيؤاً وهي تسبّ وجهها الجميل الذي يرضى بأن يعانق هذا القبح كلّه صباح مساء على تلك البوّابة اللّعينة في الجدار العازل.
أُخضعتْ لدورات تدريبيّة نفسيّة مكثّفة لتقبل بفكرة أنّ هذا الجدار يحمي شعبها الصّهيونيّ الذي تنكر في سحيق أعماقها انتسابها له،وتقنع نفسها ظاهريّاً بأنّها تقف على هذه البوابة لتخدم أمّتها،ولتقمع أولئك المتوحّشين من الفلسطينيين الذين ينخرون في أمن كيانهم الرّابض على هذه الأرض التي تشعر بأعماقها بأنّها غريبة عنها،ولا تنتمي إليها بأيّ شكل من الأشكال،ولكنّها على الرّغم من ذلك لا تزال تشعر بالقرف من نفسها كلّما وقفت ببزّتها العسكريّة تفتّش الأجساد العابرة من بوّابتها،وتشمّ جبراً رائحة الكره والضّغينة والتّحدّي في العيون الفلسطينيّة المتحفّزة لغضب قابل للاندلاع في أيّ لحظة.
كلّ شيء في هذه البوّابة يشعرها بأنّها في جهنم؛فهي بوابّة متوحّشة تفصل بين عالمين مشتعلين،وهي حارسة عليها دون معنى لوجودها هنا بعيداً عن عاصمة الثّلج حيث وُلدت.
وحده ذلك الشّاب الفلسطينيّ هو من يشعرها بدفء مكلّل بالمطر كلّما مرّ بالقرب منها،لا تشمّ فيه رائحة حقد أو كره أو تحفّز لإيذائها،ترى في عينه غزلاً نادراً لا يجيده إلاّ من يملك روحاً مثل روحه التي تقدر على أن تغلي عاطفة وحنوّاً حتى في ليلة ماطرة!
هو من جعل لوجودها في هذا المكان معنى وغاية، النّهارات التي تبدأ بوجهه تغدو رؤومة قابلة للامتداد في الرّوح والجسد والكلمة،عندما تراه تفكّر دائماً برقصة بالية مشتركة مع جسده الرّجوليّ المعجون بشقائه وعرقه وسمرته المثيرة على الجليد اللامع الزّلق.أحياناً كان يفوتها أن تراه في طابور العابرين في الصّباح لانشغالها بتدقيق أوراق المناوبين الصّباحيين،ولكي تتلافى هذا الحدث غير السّعيد،فقد اعتادت على أن تأتي مبكّرة لتدقّق الأوراق الرّسميّة،فيخلو لها وجه الأسمر تتفرّسه قدر ما شاءت حتى يغادر نحو البعيد مع زملائه من العمّال الفلسطينيين الذين يعبروا كلّ يوم بوّابة الحزن نحو الشّقاء في الأراضي المستدمرة كي يلاحقوا لقمة العيش المغموسة بالخوف والحزن والذّل وساعات لا تعدّ ولا تُحصى من الانتظار على البوّابات والمعابر ونقاط التّفتيش والتّحميل والتّفريغ.
أصبحت الحياة أجمل بوجوده،مرّة تعمّدت أن تفتّشه بيديها العاشقتين،فاحترقت برعشة الاشتهاء،ولوعة الشّوق وهي تتلمّس هضاب جسده وسهوله بضراعة من يتبرّك بعباءة وليّ صالح،مسّدت أكثر من مرّة على عضلات صدره،وكادت تلمس خفقات قلبه الذي فضح صمته،وقال لها قهر تكتّمه:"أحبّك".
فيما بعد عاهدت نفسها على عدم الاقتراب منه أكثر كي لا تحترق بجمر جسده،واكتفت بأن تكون في أقرب نقاطها منه في كلّ صباح،تيسّر له العبور مع من معه من العمال بأقل قدر من الانتظار والإزعاج،وتسعد بادخار نظراته في عميق وجدانها حيث تسكن الإيقاعات الموسيقيّة ممزوجة برقص الباليه.
كانت ترجوه بصمت أن يهمس لها بأيّ كلمة،وما كانت تحلم بأن يهديها ديواناً شعرياً لشاعر فلسطينيّ قال لها إنّ اسمه محمود درويش،وإنّه يحبّه جدّاً،فكان لزاماً عليها من تلك اللّحظة أن تحبّه إكراماً لحبيبها الأسمر الجميل.تفرّست في الدّيوان على غير عجل،وكأنّها تريد أن تنعّم أناملها بمس كلّ صفحة قد يكون قد مسّها من قبلها،حدّقت طويلاً في الصّفحة الأولى حيث كتب لها بخط عربيّ بديع الانحناءات:"عندما أراك يسقط المطر في سماء روحي: مصلح الوادي".
قرأت العبارة عشرات المرّات حتى حفظت انحناءات كلّ حرف فيها،وراق لها أن تجمع مطر قلبها مع شمس وجهه كلّما التقيا في بوّابة هذا الجدار المقيت الذي باتت تتقزّز من ظلّه الرّابض على صدر الرّجل الذي تخشى أن تعترف لنفسها بأنّها تحبّه.
أشهر طويلة مرّت وهي تراقصه رقصة العشق في هذه البوّابة،وتحلم دون توقّف بنهار مشمس يتخلّله مطر مداهم يدكّ هذا الجدار ببوّاباته جميعها،ويسمح لها بأن تقترب منه لتقول له دون خوف أو وجل أو ريبة:"أحبّك".
هذا الصّباح استيقظت من نومها وهي تتمتم بجملة:"أحبّكَ".طوال الطّريق وهي في دربها إلى البوّابة في سيّارة الجيش كانت تحلم بأصابعه تداعب نمشها الورديّ،وبشفتيه الغليظتين ترسمان قبلة على جبينها الصّغير النّاصع البهاء،المطر كان يقرع زجاج السّيارة،وأشعة الشّمس تتحدّى قطرات المطر الوليدة،وتشاغب خصلات شعرها الأحمر المجعّد،فتبتسم ابتسامة أنثويّة تعجز عن كتمانها في أعماقها،وتشرئب نحو البعيد حيث البوّابة تقترب منها،وموعد لقائها الصّباحيّ بمن تحبّ يقترب كذلك.
عندما وصلت إلى البوّابة كان المكان يضطرب بالجنود والصّخب والكلمات المتطايرة التي تشير إلى مشكلة ما،ومن خلف جموع الجنود كان تبزغ أجساد مسجّاة على الأرض وكلاب بوليسيّة شرسة تنهشها ،زملاؤها الجنود قالوا لها إنّهم عمّال فلسطينيون مخرّبون،اقتربت منهم بوجل؛فهي تدرك معنى كلمة مخرّب المزعومة التي يتّخذها جنودهم ذريعة لممارسة موهبتهم في القتل والتّنكيل بالبشر،وجه ذلك الأسمر المدرّج بالدّم والزّبد وابتسامة هازئة بكلّ جبروت أوّل ما صفع وجهها،وأشعرها بالصّقيع اللافح المغروز في العظام والقلب،تكوّمت إلى جانبه دون أن تجرؤ على أن تدفن رأسه في حضنها ولو لمرّة واحدة في حياتها،كانت مغمورة بظلّ الجدار العازل حيث العفونة والظّلام والكآبة والظّلم،وكانت العودة إلى هنغاريا دون رجعة إلى هذا المكان هي الفكرة الوحيدة التي تملك عليها ذاتها،وتلحّ عليها قبل أن يقتلها الجدار كما قتل الرّجل الذي عشقته.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  190
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:01 مساءً الأربعاء 26 سبتمبر 2018.