• ×

01:04 صباحًا , الإثنين 17 ديسمبر 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة عندما لا يأتي العيد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة


عندما لا يأتي العيد


د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية


إذا لفظ بصعوبة موزّعة بين مخارج الحروف المشبعة بزفير الهواء،وحشرجات دفعها خارج فمه الذي يزمّه بشدّة ليخرج منه كلمة "هاها" فهو يلفظ دون شكّ اسم ابنه هادي،لم يفكّر يوماً في أن يحاول أن يتحدّى بكمه الذي ناله عطية مجانيّة إجباريّة صهيونيّة من انفجار مدوّ لقنبلة أفقده سمعه وهو رضيع،ولم يجرّب في يوم أن يلفظ كلمة واحدة،واكتفى بالقدر القليل من الإشارات والإيماءات التي أنتجها بفعل حاجاته الضّروريّة مثل الحاجة إلى الأكل أو الشّرب أو الرّاحة أو النّوم أو قضاء الحاجة،فهو لم يتلقَّ أيّ دروس في لغة الصّم والبكم؛لبعد تلك المؤسّسات عن قريته،ولتعذّر الذّهاب إليها بسبب الحواجز الصّهيونيّة التي تطوّقه وقريته من كلّ مكان،ولكن منذ زفّت السّماء إليه فرحة قلبه ابنه هادي بعد زواج طال لعقد كامل من ابنة عمّه تمام،غدت الحياة في عينيه أجمل،وأصبح يملك سبباً مقدّساً كي ينطق اسمه ليل نهار،وإن كان نطقه له يخرج على شكل ترديد ممطوط مشبع بالمدّ لحرف الهاء،ولكن ما يعنيه في هذا الأمر أن يعرف ابنه هادي أنّه يناديه،أو يقصده بكلامه،وهذا حسبه في الحياة كلّها،فما الحياة عنده إلاّ ابنه هادي.
منذ أن وُلد هادي قبل تسع سنوات صار يملك سبباً للحياة،وهدفاً للامتداد،والتحق سرّاً بالكتائب المسلّحة في قريته لمواجهة الاحتلال الصّهيونيّ،وتلقينه الضّربات الموجعة الواحدة تلو الأخرى عقاباً له على جرائمه وتنكيله،وحثّاً له على الخروج من وطنه السّليب،وعليه أن يفعل ذلك،فهذا الوطن ملك لابنه هادي ولأبناء الفلسطينيين لا لأبنائهم الغرباء،ابنه هادي وأبناء الفلسطينيين عليهم أن يكبروا هنا،وأن يسعدوا هنا،وأن يدفنوا هنا بعد أن يموتوا،أمّا الغرباء فلا مكان لهم في هذه الأرض،ولذلك عليه أن يبذل النّفيس والغالي من عمره ونضاله وصحّته كي يهب لابنه هادي مستقبلاً محرّراً وعادلاً دون شبح شيطانيّ اسمه الاحتلال الصّهيونيّ.
في البداية لم تتحمّس الكتائب المسلحّة الفلسطينيّة لفكرة تجنيد رجل أصمّ شبه عاجز عن التّواصل على حدّ تقديرهم،ولكن عندما وضعوه في اختبارات متعدّدة وجدوه مثالاً للشّجاعة والإصرار والعمل والتّضحية والتّكتم،ولذلك عهدوا إليه المرّة تلو الأخرى بالمهمّات الصّعبة،وكان يقوم بها بكلّ سرّية وإخلاص وتفانٍ،ولا يهمس لبشر بأمرها خلا ابنه هادي الذي كان يهمس له في أذنه اليمنى وهو نائم بكلّ ما فعله لأجله،ويطبع قبلة مديدة على جبينه النّورانيّ،ويضمّه إلى صدره بكلّ عطف وفخر به،وينام قريراً سعيداً حالماً بفجر قريب.
غداً يكون عيد الأضحى المبارك،وعيده اليوميّ المتكرّر هو أن يرى وجه ابنه هادي باسماً سعيداً عفيّاً مشافىً من كلّ مرض أو همّ،وزوجته تحمله كباقة زهر،وتدور به على بيوت القرية،تبارك لهم بالعيد،وتطمئنّ على أحوالهم،وتحمل الحلوى إلى البيوت الأشدّ فقراً من بيوتهم،وتصلهم ببرها وحنانها وتعاطفها مع سائر أحوالهم،هو وزوجته لم يلبسا ملابس عيد جديدة منذ سنوات بسبب ضيق اليدّ لاسيما بعد أن زُرع هذا الجدار العازل الذي ابتلع المزيد من فرص العمل القليلة التي كان الفلسطينيون يحصّلونها بشقّ الأنفس من هنا وهناك أينما تيسّر لهم ذلك،ولكن هادي كان يزهو بالملابس الجديدة في كلّ عيد،ولو كلّفهم ذلك بيع قطعة من أثاث البيت،أو التّنازل عن أكل اللّحم لأيام طويلة،فهذا هو هادي الغالي العزيز،وله أن يسعد،ولو كانت عيناه وعينا زوجته باكيتين حزينتين،فما العيد إن لم يسعد هادي بملابسه الجديدة؟!ويطير فيها في شوارع الحي ودروبه الصّغيرة.
في الأعياد السّابقة كان يرافقه مع أمّه إلى السّاحة الكبرى العامّة في القرية للاحتفال بالعيد مع أهل القرية،ولكن منذ أن فصل الجدار بينهم وبين السّاحة والكثير من أراضي قريتهم وبيوتها،بات يكتفي بأن يراقبه وهو يلعب على الأرجوحة الوحيدة الموجودة في الفناء الخلفيّ للبيت،ويقتسم المتعة بها مع أترابه الكُثر من أبناء الجيران؛متعتهم صغيرة،ولكن قلوبهم الصّغيرة الطّاهرة قادرة على صنع السّعادة من أصغر مسبّباتها،ولو كانت أرجوحة خشبيّة صغيرة مثبّتة على أغصان شجرة توت عجوز بحبال مهترئة.
أمّا سعادته فهي تنبع وتصبّ في قسمات وجه هادي وهو يبتسم على قدر ملء روحه وهو يلعب مع أترابه،ويستقبل العيد بغطرسة طاووسيّة وهو يتبختر بملابسه الجديدة الزّاهيّة البهيجة،يراقبه دون ملل من النّافذة الخلفيّة للبيت التي تُطلّ على مرجة الأرجوحة،ولولا وجوب أن يذهب لصلاة العصر جماعة في مسجد القرية لما كان يفارقه لحظة واحدة دون أن يملأ حواسه بحركاته وكلماته التي لا يشبع منها أبداً مهما ارتوى.
في المسجد لم يسمع صوت انفجار كبير،كما سمعه المصلّون جميعهم ؛فهو أصمّ،ولكنّه أوجس خيفة لم يألفها من قبل بشكل مفاجئ تزحف إلى نفسه بدبيب موجع ،وعرف من المصّلين الرّاكضين خارج المسجد باتّجاه الانفجار أنّ مكروهاً ما حلّ بالمكان،كان الجميع يركضون باتجاه الدّوي المزلزل،وكان هو يركض معهم في الاتّجاه نفسه،ولكن باتّجاه وحيده هادي،تمنّى أن يصل إليه بأسرع وقت ممكن ليضمّه إلى صدره،وليشمّ رائحته النّدية دون توقّف،ولكن ما شاهده حال وصوله المكان أعدم أمنياته الثّكلى دون رحمة أو تمهّل،كانت الأرجوحة قتيلة على الأرض تغرق في بحر من الدّماء والأشلاء المقطّعة المختلطة بالدّم المتدفّق منها زلاليّاً رطباً حارّاً،لم يستطع أن يرى وجه هادي بين الوجوه المحوقلة بأسى،والمستنجدة بالسّماء من البطش الصّهيونيّ الذي طاب نفساً بأن يقصف أطفالاً صغاراً وهم يلعبون في صبيحة العيد،فحوّلهم في طرفة عين وسهوة قلب إلى حطام من أشلاء ودماء.
لم يطل بحثه عن هادي بين الأشلاء المتناثرة،فقد وجد رأسه المتفحّم متدحرجاً قرب الأرجوحة القتيلة،ولم يميّزه إلاّ من عينيه الزّرقاوين اللّتين ورثهما من جدّه لأمّه الحاج عبد اللّطيف،فما كان في الحيّ طفل بعينين زرقاوين سواه،حضن رأسه إلى صدره،وزمّها،وذهب بها نحو البعيد؛فهادي يخاف من الدّم والموت والخراب!
في تلك اللّيلة لم يبكِ،ولم ينعَ موت هادي،فهادي لا يموت وإن سُجّي في القبر برأس أو دون رأس،فمثله يجب أن يظلّ حيّاً في نفس والده كي يستمرّ في النّضال حتى يتحرّر وطنه،فرحيل هادي يعني أن لا معنى للنّضال أو الأرض أو الوطن،فما حاجته بغد موعود دون ابتسامة هادي،ولذلك يجب أن يظلّ هادي على قيد الحياة ليكون عنده مبرّر ليستيقظ في كلّ صباح.
اللّيلة عنده مهمّة عسكريّة مُوكلة إليه من قبل جماعته،وهي تتمثّل في تهريب السّلاح والطّعام إلى القرية من خارج الجدار العازل الذي حرمهم حتى من لقمة الطّعام،وحاصرهم حتى في أقواتهم.
لن يؤجّل هذه المهمة،فهناك ألف هادي أو يزيد من أبناء القرية جائعين،ويجب أن يمدّهم بالطّعام،وهادي لا يقبل بأن يجوع الأطفال حداداً على اغتيال رأسه الجميل ذي العينين الزّرقاوين،ولذلك عليه أن يقوم بمهمته بكلّ التزام وإخلاص على الرّغم من احتجاج زملائه في الجماعة،وتصميمهم على أن يعفوه من هذه المهمة في هذه اللّيلة نظراً للظرّوف القاسية التي يمرّ بها نتيجة اغتيال وحيده الصّغير،ولكنّه يأبى إلاّ أن يأكل الصّغار في هذه اللّيلة بالتّحديد.
يقوم بمهمّته بإتقان،وتدخل الأسلحة والأطعمة إلى القرية بعد رحلة عناء لعبور التّخوم الفاصلة بسبب الجدار العازل،يغادر الرّفاق المكان بأحمالهم العزيزة بغية أن توزّيعها على مستحقّيها في الصّباح،ويعود هو من جديد إلى الجدار متسلّلاً ليصفّي حسابه مع أولئك الأوغاد القتلة الذين اغتالوا ابنه هادي،لا يملك إلاّ قنبلتين ومدفعاً صغيراً محمولاً وجراباً يخصّره، فيه رأس هادي المتفحّم المتخثر الدّم على شعره الملبّد الأكثّ الذي يهبّه قوّة خرافيّة قادرة على أن تجعله يقلع هذا الجدار بأظافره الحاقدة،بسرعة خاطفة ينزع فتيل القنبلتين،ويحوّل المكان إلى جهنم حمراء تصطليّ بأصوات المستنجدين والمحتضرين من الجنود الصّهاينة،تنهال الطلّقات عليه من عشرات الجهات،ويده على زناد مدفعه الرّشاش تهب الموت جزافاً لكلّ من يقترب منه من الجنود،ورأس هادي يترنّح في جرابه طرباً بشجاعة والده.
عندما يأتي الصّباح تكون المجزرة قد استوت على أجساد العشرات من القتلى،وعلى جثّة رجل بملابس فلسطينيّة وجراب يحمل رأساً صغيراً متفحّماً،عشرات المدرّعات الصّهيونيّة المعزّزة تطوّق المكان،وترحل الجثّة محاطة بالجنود والكلاب،فتودّعها زغاريد القرية الشّامتة بوجع الجنود،ورأس هادي المتفحّم يجهل المصير الذي يُقاد إليه،ولكنّه لا يبالي بذلك طالما أنّه سيواجه مصير والده الحبيب.
في المساء تُوزّع الأطعمة المهرّبة على بيوت القرية جميعها،يأكل الأطفال حتى يشبعوا،ويشبع هادي في قبره عندما يأكل أطفال قريته،وفي كلّ مساء يأتي الطّعام المهرّب على ميعاده إلى أطفال القرية،ولا أحد يعرف كيف يصل الطّعام إلى بيوتهم،ولكنّهم يؤمنون بحكاية" الرّجل الأصمّ حامل الطّعام"،ويعرفون تماماً أنّ شبحاً شجاعاً لا يزال يسكن في جوار الجدار العازل،ويخوّف الجنود الحرس بجرابه ذي الرّأس المتفّحم المحروق،ويُدخل إلى القرية كلّ ما يشاء من مؤن،ولا أحد يجرؤ على منعه،وهو يصرخ بملء فيه قائلاً:" ها ها".

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  249
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:04 صباحًا الإثنين 17 ديسمبر 2018.