• ×

12:46 صباحًا , الإثنين 17 ديسمبر 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة في القدس لا تُشرق الشمس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة
في القدس لا تُشرق الشمس
د. سناء الشعلان/الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية
كم تمنّى أن يغرق عينيه في وهجها الأسطوري!! وكاد يتمنّى أن يتفرّس في قسماتها السماوية، وأن يستلقي أرضاً على ظهره، وينبطح قبالتها تماماً، ويسلم نفسه إلى دفئها، فتشتمله الشمس كما تشمل باقي البشر دون الخوف من رصاصة غادرة أو هراوة ظالمة، ودون حصار أو حظر تجوّل، أو عيون غرباء... أكثير على المرء أن يتمنّى الاستلقاء قُبالة عين الشمس بسلام وهناء دون خوف؟!!.
كان يبحث عنها في السماء، ويتمنّى لو أنّ شعاعها يداعب هدبيه الصغيرين، ولو أنّ أديمها السرمدي يسكن باحتراق في عميق عينيه، ويرسو في بحيرتيهما إجلالاً لطفولته المسروقة، وأمنياته المؤجّلة.
في الأرض، وبالتحديد حوله في مدينة القدس يسكن العدو والحصار والموت الأسود والظلّ، أمّا في السماء فكان البحث عن أمنية ضائعة تسمّى الشمس، أجال نظرةً عجلى في المكان، ومن جديد عاد يبحث عن الشمس بحثاً طويلاً دون فائدة، فقد تلاشتْ منذ زمن مخلّفة الظل الأسود حيث يرتع العدو الذي يسحقهم، تمتم بخيبة توازي آلام طفولته المصلوبة على باب القرن العشرين، وعلى مرأى من الإنسانية، وقال في نفسه: "في القدس لا تُشرق الشمس".
صوت اللهاث تطارده الأحذية الجلدية ودوي الرصاصات ينزعانه من دنياه الشمسية، ويعيدانه إلى أرض القدس، كان الجنود يطاردون بعض صبية حيّة، عرفهم جميعاً، كانوا نوارس صغيرة تطاردها الوحوش، أخذ يهتف معهم: "الله أكبر... خيبر... خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود"، وأخذ يرشقهم ببعض الحجارة، ووّلى مع الصبية نحو البعيد، اختبأ في إحدى الزقاق مع صديق له من الصف الخامس اسمه أحمد، هو يكبره بعام، لكنّه يعرفه جيداً، كان يصلي معه الفجر في المسجد الأقصى بحضرة المعلم رفيق، ولكن كان ذلك في الماضي، قبل أن يرحل معلمهم الطيب دون عودة، وقبل أن يعلو جدار الفصل، فيغلق الدروب دون المسجد.
الحائط اللعين يتمطّى بظله، فيغرق القدس في الظلام، ويحجب ضوء الشمس، ويرسل المدينة شطرين حزينين، فقد كان جداراً مرتفعاً لا يعرف الرحمة، تمتصّ جنباته الإسمنتية الصرخات والاشتياق، وتبتلعها إلى الأبد...
كان محي الدين الباحث عن الشمس الأسطورية أقصر بقليل مما هو عليه الآن عندما بدأ العدو ببناء هذا الجدار العاتي، وسريعاً ما أصبح محي الدين أطول بقليل مما كان عليه، ولكن الجدار كان أسرع منه نمواً، وأشد منه فتكاً، فغدا كغارب يشقّ السماء، فمنذ أن ربض هذا الوحش الإسمنتي في قلب المدينة قد حجب الشمس، وأغرق المدينة في الظلام، ومن يومها بات هاجس محي الدين أن يجد الشمس المنتظرة التي رحلت بانكسار بسبب الجدار.
كان يريد أن يجدها إكراماً لآلاف الصور والأفكار الممتدّة بتمطٍ في ذاكرته الصغيرة، المسيجة ببراءتها وبلون الدم، أراد بالتحديد أن يجدها إكراماً لذكرى معلمه رفيق الذي علّمه الصلاة وهو ما يزال في الصف الأول، يومها قال له ولزملائه في الصّف ودفء الإيمان يعلو قسماته السمراء: "يا أبنائي !الشمس عادلة تغمر الجميع بنورها، ولا يحجبها ظلم".
ثم غابت الشمس، وغاب معها المعلم رفيق الذي يسكن القرآن صوته، وعاد بعد أيام مدثّراً بكفن أبيض، أمّه والجارات استقبلنه بالزغاريد، وقالوا: "جاء العريس". يومها شقّ جموع المشيعين، وحدّق في جسد معلمه المسجّى بطمأنينة، تفرّس في لحيته الرقيقة، وأراد أن يسأله عن الشمس الغائبة عن القدس، ولكن... الشمس لا تشرق بالقدس.
كان الجري والهروب من زاوية إلى أخرى من العدو الصهيوني مضنياً في مطاردة تبدو أسطورية، وبلانهاية أمام جنود لا يعرفون الرحمة، كان يلتقط أنفاسه بصعوبة. وفي الزقاق كان الرفاق يتناوبون على الجهاد، وعلى رشق العدو بالحجارة تارة، كما يتناوبون على الشهادة تارة أخرى. في كلّ مكان بحث عن الشمس وهو يركض، كانتْ سنينه العشر اليتيمة تركض معه، وياللعجب!! رأى شمساً منيرة تمتدّ لتكتسح البريق الآثم لآليات وسلاح العدو الذي يُشهر في وجوه الأطفال والنساء والشيوخ والعُزّل، رأى بريقاً يمتدّ ليضيء المقدسات، ليمحو الجدار، وليضع حداً لانتظار الأمهات الفلسطينيات إشفاقاً على آهاتهنّ، رأى شمساً تمتدّ كما طائر الفنيق، تشعل ناراً تطهّر المكان ولا تبيده، فتغرق المدينة في أسطورة طائر الفنيق الذي يُولد في النار ولا يحترق، بل يتجدّد ويتجدّد...كان في ركضه وهروبه، ثم في إقدامه وإصلاء العدو بحجارته كأنّما يفي بنذر مقدس مفاده زيارة أرجاء المدينة الغارقة في حزنها وفي قدسيتها.
في نظرة أحد الجنود الصهاينة رأى اشتهاءً قوياً لدمه، عيناه الزرقاوان الخرزيتان كانتا تلتهمانه بلا رحمة، رآه يقترب منه ومن الأصدقاء، كان جسداً صغيراً أعزل أمام دبابة مدرّعة، أطلق قدميه للريح المسمّمة بالغاز المسيل للدموع، ودلف سريعاً إلى الحارة القديمة، كانت روح الإسلام وعمر بن الخطاب وصلاح الدين والوليد بن عبد الملك وسليمان القانوني تسكنها، وذكرى الأصالة تفترعها، ولكن الشوارع المسمّاة بالعبرية والوجوه الغريبة التي كانت تطالعه من واجهات المحلات ذكّرته بلا رحمة بذلك الاحتلال الذي تفشّى حتى في أسماء الشوارع، واغتصب المحلات القديمة التي تنتشر على طول السوق القديم المرصوف بالحجارة القديمة.
واجهات محلات التحف الشرقية القديمة سرقتْ نظره للحظات، الكثير من التحف الخشبية كانت مصنوعة من جذوع أشجار الزيتون، تذكّر عمّه رزق الذي قطع العدو قدميه من كثرة تعذيبه في المعتقل، فأمضى حياته يصنع الأقدام الخشبية من أشجار الزيتون، وأقسم على أنّه سيستخدمها ليذهب سيراً للصلاة في المسجد الأقصى بعد تحريره، ولكنه مات قبل أن يبرّ بقسمه الدامي.
في البعيد القديم لاح بيته الغارق في ذاكرته، بيته الذي داهمه المستوطنون الإسرائيليون، وسكنوا الطابق العلوي منه، كم آلمه أنّهم احتلوا غرفته وغرفة أخيه نور الدين، ولكنّه حقد عليهم عندما ألقوا بتلك المادة الكاوية على فناء بيتهم، فأحرقتْ رقبة ابنة أخته الصغيرة، وأهدتها بالإجبار تشويها يطوّق وجهها الجميل، ولا يفارقه أبداً، يومها تمنّى من كلّ قلبه أن تصلي الشمس وجوههم بالنار، لعلّها تطهّرهم من آثامهم، وتشفي قلبه المكلوم، وإن كانت لن تشفي ابنة أخته من حروقها.
الحارة القديمة التي ابتلع المستوطنون اليهود الكثير منها باتت هي الأخرى بلا شمس، ركض محي الدين خارجاً منها، كان مشوقاً إلى الشمس، وكانت الأرض تتباعد بين قدميه، البيت بدا بعيداً، والشمس أبعد، أمّا الجدار الفاصل فكان في قبالته، توقّف للحظات أمامه، كان العدو يقترب منه، ثُلّة من الأصدقاء كانوا في الجوار يساندونه بحجارتهم الصغيرة، تثاءبتْ سنونه العشر، وتاقتْ بشوق الطفولة إلى النّور، مآذن الأقصى تدعوه بآذانها العذب إلى الاقتراب، وبدا له أنّ الجدار الفاصل أحقر من أن يوقفه، وبات العدو بكلّ جبروته وآلاته وموته أضعف من أن يسحق رغبة طفولته بالاقتراب من الجدار. خطا خطوة... اثنتين... ثلاث... أربع.... وركل بقدمه الصغيرة جزءاً من الحاجز الحديدي القائم على إحدى بوابات الجدار، وكاد يخطو خطوة خامسة نحو الباب، لكن الرصاصات سارعتْ إليه من كلّ صوب، تماسك، وحاول بجسده المثقل بالجروح والرصاصات أن يكمل خطوته، لكن المزيد من الرصاصات الآثمة سارعتْ إلى جسده، بسرعة شعاع الشمس جالتْ روحه في أرجاء القدس، ورفرفتْ بسعادة في جنبات القبة والمسجد الأقصى، ورآها تحوم بسعادة في كنيسة القيامة والقلعة وجبل الزيتون وطريق الآلام وجبل صهيون والنبي داود والصلاحية والمتحف وبئر الأرواح.
ومن ثم عادتْ روحه لتقبّل جسده قبلة الوداع، قَدَمٌ إسرائيلية ركلتْ وجهه المسجّى على الأرض، فكسرتْ فكه، لكنّه لم يبال، الكثير من دمه تنزّى في لحظات، رأى يديّ معلمه رفيق تمتدّان إليه لتقوداه إلى طريق النّور، الشمس تستطع في دنيا رفيق... أخيراً آن له أن يتمطّي قبالة عين الشمس، سمع دبيب زغاريد أمّه يتمطّى في البعيد، أغمض عينيه، وبصعوبة فتحهما من جديد، في السماء لم تكن هناك شمس، كان يعلم أنهّا مسجونة خلف الجدار العازل... والجدار لن يمنع الشمس التي لم تُشرق بعد في القدس... وأسلم عينيه للنور.... وغاب.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  244
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:46 صباحًا الإثنين 17 ديسمبر 2018.