• ×

08:17 مساءً , الجمعة 22 يونيو 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة ما قاله الجدار

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة

ما قاله الجدار


د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية



(1)
السّجان مسجون أيضاً

كان يبدو العمل له ممتعاً،ومسليّاً،فليس هناك متعة أكثر من أن يقف على بوّابة يراقب منها الخارج والدّاخل،ويمارس عبرها متعته السّاديّة في تعذيب النّاس والتّنكيل بهم،استمتع سنوات طويلة بهذه اللّعبة العمل؛إذ كان يظنّ أنّه السّجان المعذّب للفلسطينيين،ولكن عندما أيقن أنّه لا فرق كبير بين أن يُسجن المرء خلف الجدار أو أمامه أو في بوّابته،انتحر بجرعة إضافيّة من المخدّرات.
(2)
قبر الرمثاويّ لا يُضام
لا أحد يعرف على وجه الدّقة اسم الشّهيد الرّاقد في هذا القبر،ولكن الجميع يسمّونه قبر الرّمثاويّ،فهم يعرفون أنّ صاحبه جاء من مدينة الرّمثا في شمال الأردن ليجاهد إلى جانب الفلسطينيين،فقضى نحبه في هذه المنطقة،فُدفن في بستان البيت الذي كان يجوزه،ويدافع عن أهله ساعة استشهاده،القبر ظلّ محراب البيت،وعامود فخر أهله،بل سمّي البيت مع الوقت ببيت الرّمثاويّ،ولقّبت الأسرة نفسها بآل الرّمثاويّ.
عندما غُرز الجدار العازل في خاصرة الشّعب الفلسطينيّ بتر القبر عن البيت،فكان البيت في شرق الجدار،والقبر في غربه،حزن أهل البيت أشدّ الحزن لحرمانهم من القبر،وحزن القبر لنفيه عن عائلته التي جاورها سنين طويلة،ولأنّ الرّمثاويّ لا يُضام،فقد حمل قبره،وانتقل به إلى جوار البيت في النّاحية الأخرى من الجدار،وفي الصّباح كان من جديد في بستان البيت ينتظر أهله ليسقوا زهوره النّابتة عليه،غير آبه برغبة الجدار الملعون!
(3)
لا قصة حبّ للجدار العازل
جاء هذا الصّحفي الأمريكيّ ذو الأصول اليهوديّة من أقصى ولايات أمريكا بُعداً من أجل أن يقوم بالوظيفة التي أُسندت إليه بحكم شهرته الصّحفيّة وإنجازاته الإعلاميّة الجريئة،كان عليه أن يعاين تجربة الجدار الفاصل؛ليكتب عنه المقالات والقصص الدّاعمة لكلّ من يرى وجوده في هذا المكان عدلاً وضرورة لحماية اليهود الغاصبين في أراضيهم المسلوبة من الفلسطينيين.
الحقيقة أنّه معنيّ بالمبلغ المالي الكبير ذي الأصفار الكثيرة المُتفق عليه مقابل هذا العمل الدّعائي الإعلاميّ العاري من الحقيقة أو العدل،ومن قال إنّه يبالي بالحقيقة وبالعدل؟! المال كلّ همّه،ورصيده المتنامي في البنك جنّة حياته.
لكن مشكلته الكبرى تكمن في أنّ قلمه يكتب ما يشاء وعلى هواه دون الانصياع له،حاول أن يكتب قصّة حبّ واحدة في ظلّ هذا الجدار،فعجز عن ذلك،فكتب مئة قصة حزن بسبب هذا الجدار،ومزّق أمر الدّفع (الشّيك) ذا الأصفار الكثيرة،وشرع يعيش قصته الأولى مع الحقيقة،فكان في الصّف الأوّل إلى جانب المتظاهرين الفلسطينيين ضدّ هذا الجدار،وتصدّرت صوره وسائل الإعلام العالميّة تحت عنوان:"صحفيّ أمريكيّ يقضي نحبه برصاص قوات الاحتلال الصّهيونيّ".
(4)
بوّابة واحدة لا تكفي
ليس لهذه البلدة منفذ على الدّنيا سوى هذه البوّابة اللّئيمة في الجدار العازل،إن أُغلقت،وكثيراً ما يحدث ذلك،فأهل البلدة يغدون مجرد سجناء في سجن كبير،جدرانه الجدار العازل،وسقفه السّماء البعيدة.
في كلّ صباح كان يقود شاحنته القديمة بحملها من العمّال الفلسطينيين نحو البوّابة ليواجهوا كبد ساعات من الانتظار والذّل على أمل أن يُسمح لهم بمغادرة البوّابة،لعلّهم يعودون إلى عائلاتهم بأقوات يومهم التّعس ،وهو يظلّ قعيد الأرض ينتظر أن يسمح له الجنود بمغادرة المكان،ليعود إليها من جديد في اليوم التّالي.
بوّابة واحدة لا تكفي لعبور أولئك العمّال الفلسطينيين كلّهم،حتى عندما قتل مستدمر لعين عشرين عاملاً منهم على البوّابة بسلاحه الرّشّاش،فقد ظلّت البوّابة الوحيدة لا تكفي،لذلك فقد ركب شاحنته،وأسرع بها،وهوى بها على البوّابة،فخلعها،وحطّم جزءاً من الجدار،وسحق بعض الجنود تحت عجلات شاحنته،فوجد الأرض أرحب دون بوّابة أو جدار أو جنود.
(5)
لا قانون ضدّ الأقدام العائدة
مرض السّكري أكل القدم اليمنى لمؤّذن الجامع في الحارة القديمة،قيل له إنّ من الممكن أن تُصنع له قدمان من اللّدائن الطّبيّة الصّلبة،ولكن هاتفاً في المنام صاح فيه إنّ عليه أن يصنع له قدمين من السّنديانة الكبيرة في أرضه التي تقع الآن خلف الجدار العازل،حاول كثيراً أن يعبر البوّابة،وأن يصل إلى أرضه،ولكن دون جدوى،ففي كلّ مرة كان الجنود يردّونه رداً قبيحاً.
ظلّ يحلم بالقدم الخشبيّة من السّنديانة،وفي لحظة حلم سرقه الموت،قدمه اليتيمة قرّرت أن تحقّق الأمنية،انشلعت من جسده بلين ودعة،وسارت في الزّقاق القديمة التي تحفظها عن ظهر قدم،وعبرت بوّابة الجدار دون أن يوقفها أيّ جنديّ صهيونيّ،ويمّمت نحو السّنديانة المعمّرة في البستان الجبليّ،وكبّرت:"الله أكبر".
(6)
الخيل الأصيلة تعود دائماً إلى أهلها
في المعتقل الصّهيونيّ مارسوا ضدّهم أعتى أنواع التّعذيب الجسديّ والنّفسيّ،ولم ينفكوا عنهم إلاّ عندما جعلوا منهم جواسيس لهم،فلا أحد يشكّ في أنّ صبية صغاراً قد يكونون جواسيس على أهلهم وجيرانهم وشعبهم.ولذلك أخرجوهم من المعتقل بهذا الشّفيع المخزي.
نقلوا إلى الجنود الصّهاينة الكثير من الأخبار الصّغيرة حول الثوّار والمتظاهرين من الفلسطينيين،ثم نقلوا إليهم تفاصيل أكبر عمليّة مقاومة سيقوم بها الثّوار الفلسطينيون،وأمدّوهم بالمعلومات ليحاصروا عشرين بطلاً من أبطال الثّورة،ليبيدوهم في أرض العمليّة الفدائيّة قبل أن يقوموا بها،أخذوا مبلغاً كبيراً مقابل هذه الوشاية الدّسمة.
في الوقت المحدّد للعمليّة الفدائيّة كان الفندق الهدف مدجّجاً بالجنود الصّهاينة والآليّات في انتظار إلقاء القبض على الثّوار،ولم يطل بهم الانتظار،فقد جاءتهم استنجادات ملحّة وعاجلة من معسكرهم الذي أُبيد عن بكرة أبيه على أيدي الثّوار الذين خدعوهم عبر المعلومات المضلّلة من خيلهم الصّغيرة الأصيلة التي لا يمكن إلاّ أن تعود إلى أهلها.
(7)
الموتى لا يرحلون
قال الضّابط الصّهيونيّ بسحنةٍ تمساحيّة ولؤم قنفذ أجرب:" لا أحد سيبقى في هذا المكان،الجميع عليه أن يرحل إلى ما خلف الجدار،الجميع بلا استثناء سيرحلون الآن إلاّ الموتى سكّان القبور".
ضحك العجوز الفلسطينيّ من جهل الضّابط،وتمدّد على أرضه،وقال: "إذن هنا أموت".وأسبل عينيه،وراح في سبات أبديّ.
اقترب الضّابط من العجوز ليحرّكه،لكنّه لم يقدر على ذلك؛ فقد تباعدت الأرض به،وغارت بالعجوز في باطن طبقاتها،وغيّبته عن العيون.
(8)
طائر الفينيق حقيقة لا أسطورة
منذ صغره يحلم بأن يكون طائراً بجناحين يحلّقان نحو عنان السّماء،عندما كبر قليلاً بات يحلم بأن يصبح طيّاراً يجوب العالم بطيّارة زجاجيّة نفّاثة،ولكن عندما كسّروا له عظام يديه في المعتقل الصّهيونيّ كي لا يحمل من جديد العلم الفلسطينيّ في المظاهرات ضدّ الجدار العازل،وغدا عاجز اليدين قرّر أن يصبح طائر فينيق في النّار،ولا يحترق،يطير في السّماء،ولا يغادرها،ضمّ يديه العاجزتين بضعف على العلم الفلسطينيّ بعد أن وقف على أعلى مطلّ جبليّ في مدينته،وفرد كتفيه،وطار،وحلّق دون أن يهبط من جديد على الأرض،وخيّم العلم الفلسطينيّ على الأفق،وغاب الجدار العازل في ظلّه!
(9)
المجانين ضدّ الجنون
" لا يفهم المجانين إلاّ المجانين مثلهم" .هذه هي جملته الوحيدة التي يفسّر بها قدرته السّحريّة على اجتياز الجدار العازل دون عبور بوّابته.
هو من مجانين القرية العتيقين الذين غدوا من آثارها ومعالمها وأوابدها،لا أحد يعرف متى بدأ جنونه أو لِمَ؟ ولكنّهم جميعاً في قريته يعدّونه من عقلاء المجانين إن جاز التّعبير؛فهو لا ينطق إلاّ حقّاً،ولا يتنبّأ إلاّ بآتٍ.
عندما بُني الجدار العازل أمطره بوابل من السّخرية،وقال مواسياً الجميع:"لا تخافوا،هذا الجدار ليس أكثر من جنون،ولا أحد يخشى مجنوناً،بل إنّ المجانين عينهم ضدّ الجنون"،ومنذ الوقت تغلّب على الجدار بسلطة سحرٍ لا يعرفه أحد،وظلّ حرّاً خارج نطاق سلطة الجدار،يخترقه متى شاء،ويعود إلى القرية عبره متى شاء حاملاً الحلوى والسّمك الطّازج من سواحل عكا ويافا وغزّة.



(10)
الموت يساوي بين الأشياء
حياة الإنسان هي الأثمن في هذا العالم،هذا ما تعلّمه من أبويه ومن مدرّسيه في كلية الطّب البشريّ،وما كان ليخمّن أنّ رحلة ميدانيّة واحدة خارج كلّيته سوف تعلّمه ما ينسف به ما تعلّمه كلّه طوال حياته؛كانت الرّحلة هي مرافقة ميدانيّة مع طواقم عسكريّة صهيونيّة في إحدى جولاتها في أراضي الفلسطينيين خلف الجدار العازل،يومها وقع جريح فلسطينيّ في أيدي الجنود بعد مواجهات دامية في باحة أحد المساجد القديمة،كان يتوقّع أن تُقدّم له الإسعافات الأوليّة من قبيل الإنسانيّة والأعراف الدّوليّة لمعاملة الأسرى،ولكنّه فوجئ بأستاذه الجامعيّ في مادة التّشريح يقدّ جزءاً من بطنه بمشرطه وسط صراخ رعديّ من الجريح،في حين تذهب استغاثاته المحزنة أدراج الرّيح دون مجيب،ثم يشرع يعطيهم درساً حيّاً على تشريح إنسان حيّ لا على جثة قديمة متعفّنة،يومها تقيّأ مبادئه جميعها على أرض الموت،وأيقن أنّ الغاية هي الأثمن في هذا الكون! وإخلاصاً لمبدئه الجديد الوليد فقد شرع يقتل كلّ جريح صهيونيّ يقع بين يديه عندما عُيّن طبيباً في المستشفى العسكرّي،ليبيع أعضاءه سرّاً لمن يدفع له المال الوفير،فلا قيمة عنده للحياة،والمال هو الغاية الكبرى في هذه الحياة.هذا ما تعلّمه في رحلته الميدانيّة الوحيدة إلى الجدار العازل.

(11)
ثورة العصافير خارج التّاريخ
لأنّ البشر يؤرّخون الأعوام بأحداثهم الخاصّة المهمّة،فهم يجهلون تاريخ العصافير الذي يقول:" كانت العصافير تعيش بأمن في غابات وحقول وسهول فلسطين،إلى أن جاء العدوّ الصّهيونيّ،وقطع الأشجار،وجرّف الأراضي،وبنى جداراً عازلاً بين البشر،لا تعرف الطّيور سبباً لوجوده،ولا حقّاً له ليحرمها من أعشاشها وأوطانها.
قيل لها إنّ البشر سوف يردّون حقّها عليها،ولمّا طال بها الانتظار ،شنّت حرباً شعواء على الجدار،وبضربة واحدة من صدورها المجتمعة في جُمع قوّة ضاربة واحدة دكّت الجدار على الغاشمين الصّهاينة،واستردّت أرضها،وبنت أعشاشها من جديد على الأشجار النّامية على رفات الأشجار المقطوعة،وكتبت لها تاريخ نصر تحتفي فيه في كلّ عام.
(12)
على الجدار أن يرحل في النّهاية
حدّق الجدار العازل في حياته المعيشة،فوجد نفسه جداراً كريهاً،من باطنه المظلوم،ومن ظاهره الظّالم،فكّر ثم قرّر ثم دبّر،وفي الصّباح استيقظ الفلسطينيون والصّهاينة فلم يجدوا الجدار،فقد رحل دون عودة رافضاً أن يظلّ شريكاً في هذه الجريمة النّكراء.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  190
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:17 مساءً الجمعة 22 يونيو 2018.