• ×

08:16 مساءً , الجمعة 22 يونيو 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة مَنْ أطفأ الشّمعة الأخيرة ؟!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة

مَنْ أطفأ الشّمعة الأخيرة ؟!


د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية




لا تجيد التّنظير السّياسيّ أو الفلسفيّ مثل معظم المناضلين الفلسطينيين،كذلك لا تستطيع أن تقرأ أو أن تكتبُ؛فهي من مواليد القرن الماضي،ولم تتح لها فرصة للذّهاب إلى الكتّاب،فقد كان ذلك محرّماً على الفتيات في ذلك الوقت وفق أعراف اجتماعيّة صارمة،وكان قصراً على الذّكور،ومن ثم أخذتها الحياة الزّوجيّة المبكّرة والأمومة المتكرّرة لتسع مرّات متتابعة من متابعة البرامج الثقافيّة أو تعلّم القراءة والكتابة أو التفرّغ للجلسات الحواريّة السّياسيّة،ولكنّها تعرف أنّ البطولة والوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة للعدو الصّهيونيّ تكون على قدر الظّروف والمعطيات والملكات.
وملكتها العظمى تتمثّل في أمومتها التي تتّسع لسكان كوكب الأرض جميعهم،وتمتدّ لتحتضن الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات الصّهيونيّة؛بدأت حكايتها مع أمومتها العملاقة عندما زُجّ بابنها البكر عبد المجيد في المعتقل الصّهيوني،وحُكم عليه بالسّجن مدى الحياة،ثم لحقه أخواه الأصغران ليغدو ثلاثتهم أسرى المعتقل المتوحّش،كانت تمضي أسبوعها تلاحق الجهات المسؤولة والصّليب الأحمر كي تحصل على تصريح زيارة لأحدهم أو لجميعهم،وقليلاً ما كانت تحصل عليه دون تكرار رفض ومماطلة وتنكيد ومراوغة لأوهى الأسباب،ومن ثم بات من المستحيل أن تحصل على تصريح لزيارة ابنها البكر عبد المجيد الذي غُلّظت العقوبات عليه،ومُدّد حبسه الانفراديّ إلى الأبد،من ثم حرُمت من زيارة ابنيها الأصغرين بسبب الجدار الفاصل الذي قطع الأرض بينها وبين معتقليهما،فتباعدت الأرض بينهم على الرّغم من تقاربها،وأصبح العالم في فلسطين لا يُفهم إلاّ بمنطق باطن الجدار وظاهره.
ومن هذا المنطق الظّالم وجدت نفسها أمّاً يفصلها جدار إسمنتيّ أصمّ عن أولادها المعتقلين،كما يفصل الجدار نفسه آلافاً من الأمهات الفلسطينيات عن أبنائهنّ وبناتهنّ في المعتقلات.فقرّرت أن تكون إلى جانب المعتقلين الفلسطينيين ضدّ الجدار،كما صمّمت على أن تمارس أمومتها معهم،بدأت الفكرة بتجربة،ثم أصبحت التّجربة واقعها المعيش،في معتقل البلدة كان هناك 146 معتقلاً ومعتقلة،وقد بات شغلها الشّاغل أن تزورهم الواحد منهم تلو الآخر،وأن تتعرّف عليهم،وأن تكون أمّاً لهم أجمعين بدل أمّهاتهم المحرومات من الزّيارة اللّواتي لا يستطعن الوصول إليهم.
تعاطف الصّليب الأحمر مع رغبتها،وجنّد إمكاناته المحدودة من الوساطات والدّعم من أجل أن يساعدها على زيارة الأسير تلو الآخر،وكانت أمومتها عونها في هذا الأمر،كانت الشّمعة الوحيدة في حياة الكثير من المعتقلين، تحفظهم فرداً فرداً،وتسأل عن أحوالهم،وتعرف ظروفهم،وتتابع قضاياهم،وتصغي إلى شكواهم دون تذمّر أو ملل،وتحاول ما استطاعت أن تخفّف عنهم آلامهم وقهرهم حتى باتت الأم الحقيقية لكلّ منهم،وغدت زيارتها بلسم لكلّ معتقل،فغدت شمعتهم الأخيرة والوحيدة في ظلام معتقلهم القابض على أرواحهم الثّائرة،ونالت باستحقاق لقب "أم الأسرى".
كانت تتشفّع عند الله بهذه الأمومة الغامرة،وهذا العطاء الموصول كي يفكّ أسر أبنائها،وييسّر لها أمر الحج إلى بيت الله الحرام قبل أن يستردّ الله روحها الأمانة،ويختارها إلى جانبه حيث الرّحمة والعدل،وعلى غير متوقّع خرج ابنها الكبير من المعتقل،وهو المحكوم مؤبداً في صفقة تبادل للأسرى مع الصّهاينة،ونُفي إلى بيروت تنفيذاً لبنود الصّفقة حيث سيستقرّ هناك،وكان أوّل ما عمله هو أن سعى للحصول على فرصة لكي تحجّ والدته ووالده إلى البيت الحرام،وتكّللت مساعيه الحثيثة بالنّجاح،وكانت تأشيرة السّفر وحجز مكانين في حافلة الحجّ ونقود كثيرة أوّل ما أرسل إليها من منفاه الجديد.
فرحت" أم الأسرى" بتحقّق حلمها بالحجّ لاسيما مع اقتراب موعد خروج ابنيها الآخرين من المعتقل،وأعدّت العدّة كي تتوّجه إلى بيت الله الحرام برفقة زوجها،وطوّفت لأسابيع على المعتقلين كي تودّعهم قبل سفرها،فحمّلوها بمحبتهم وبدعواتهم لها وبرسائلهم الشّفويّة لأمهاتهم وأسرهم إن تسنّى لها في خروجها من أسر الجدار أن تقابلهم أو أن تزورهم.
عندما خرجت من بوابة الجدار نحو الحرّية متّجهة إلى بيت الله الحرام،تذكّرت أمراً واحداً،وهو الرّسائل الشّفويّة التي حمّلها المعتقلون لها،كانت هذه هي المرّة الوحيدة التي تخرج فيها منذ سنوات من أرض عزلة الجدار،ولعلّها تكون المرّة الأخيرة أيضاً قبل أن ترحل عن هذه الحياة.
حدّقت طويلاً في السّماء الممتدّة في الأفق دون قيود،وتراءت أمامها قلوب أمهات الأسرى الفلسطينيين التي تتوق إلى أخبار عن أبنائهنّ المعتقلين،وضجّت في خاطرها نصوص آلاف الرّسائل الشّفويّة موشّاة بأصوات أصحابها وبمشاعرهم وباختلاج جوارهم،وقرّرت في لحظة تضحية أن لا تذهب إلى الحجّ،وأن تستثمر أيام حرّيتها خارج الجدار في تبليغ الرّسائل إلى أصحابها.
لم يكن من الصّعب عليها أن تزجر نفسها الطّامحة إلى تحقيق حلمها في زيارة بيت الله الحرام،منحازة بذلك إلى صوت الرّحمة والأمومة في داخلها.ودّعت زوجها على تخوم الجدار وهو يقصد الحجّ وحده دونها،وهو يلوّح لها بثوبه الأبيض،ويدعو لها وله بالمغفرة.
قضت " أم الأسرى" أياماً موصولة بالتّطواف في أرض وطنها،دقّت الأبواب وفق العناوين التي تحفظها عن ظهر قلب،حتى أوصلت الرّسائل إلى أصحابها،فما تركت أمّاً إلاّ وواستها،ولا زوجة إلاّ وأسرّت لها بكلام زوجها،ولا طفلاً إلاّ وحملت له قبلات أبيه،وحفظت قسماته بعناية واقتدار كي ترسمها في مخيال والده الذي لم يره منذ زمن.
لقد قرّت نفساً بعد أن أدّت الرّسائل الأمانات إلى أهلها،وها قد أزف موعد العودة إلى منزلها،حزمت تعبها واشتياقها إلى أبنائها الأسرى،ووقفت في طابور انتظار طويل كي تعبر بوّابة الدّخول عبر الجدار العازل،وطال انتظارها كما طال بالموجودين جميعهم إمعاناً في إذلالهم والتّضييق عليهم،فانتبذت مكاناً قريباً لتريح شيخوختها الثّمانينيّة المثقلة بهموم المعتقل والمعتقلين،وطال انتباذ جسدها مكاناً قصيّاً،أمّا روحها فكانت طائراً أبيض طاهراً يحلّق نحو ربّه في مستقرّة الأخير بعيداً عن شبح الجدار العازل بعد أن حجّت بطريقتها الخاصّة،واستعدّت للقاء ربّها الحنّان المّنان.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  152
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:16 مساءً الجمعة 22 يونيو 2018.