• ×

11:43 صباحًا , الجمعة 20 يوليو 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة يوميات الشّتات الفلسطيني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة

يوميات الشّتات الفلسطيني


د.سناء الشعلان/ الأردن
أديبة أردنية من أصول فلسطينية


إقامة

أيّام قليلة،وينتهي تصريح إقامتها وإقامة أبنائها السّتّة في هذه المدينة الحارّة النّائية من بلاد العرب حيث يسمّونها أجنبيّة،ويسمّون الأجنبي مواطن!
عليها أن تغادر هذه المدينة إلى خارج الدّولة في غضون أيام؛فهنا لا يعترفون بفلسطينيّة وحيدة انتهى تصريح إقامتها،وفقدت منذ سنين هويتها الفلسطينيّة التي تسمح لها بالعودة للعيش في مدينتها في فلسطين،وذلك بسبب التحاقها منذ سنين بزوجها الذي يعمل في هذه المدينة الموحشة الرّوح،الدّبقة الإحساس،الميّتة الحنوّ.
زوجها فارق الحياة قبل شهرين بأزمة قلبيّة بعد أن أضرب قلبه عن العمل استسلاماً لأحزانه بعد سنين من العمل والهوان في هذه المدينة التي امتصّت شبابه وصمته وأحلامه وكرامته دون رحمة.
طرقت أبواب المدينة جميعها أملاً في تجديد تصريح إقامتها،إذ لا مكان تذهب إليه في هذه الدّنيا إن غادرتْ هذه المدينة،ولكن أيّاً من الأبواب لم يُفتح لها،ولا مجيباً رحيماً أو رؤوفاً رقّ لها.
حزمت حقائبها وأبناءها السّتة احتياطاً لأيّ مداهمة شرطيّة قد تُلقي بها خارج الحدود، بعد أن صرفت آخر ما تملك من مال،وباتت تنتظر الرّحيل القسريّ الذي تجهل متى يداهمها مثل موت،وكلّما سألها طفل من أطفالها السّتّة عن وجهة سفرهم حضنته،وغربتْ في نحيب جهوريّ لا يؤمن بأنّ صوت المرأة عورة،وقالتْ له بحيرة وضياع:"لا أعرف إلى أين علينا الرّحيل".


البحر

هناك في بيتها الصّغير المنزوي في إحدى الدّروب الضّيقة في مخيّم (اليرموك) لطالما حلمت بأن ترى البحر،وأن تركب سفينة تتهادى على صفحته الزّرقاء الرّائقة بصحبة أفراد عائلتها،البحر والسّفينة والرّحلة البحريّة بصحبة أسرتها كانت أحلامها المائيّة الملازمة لروحها التّائقة للمسافات والزّرقة والسّماء الرّحبة بعيداً عن زحام هذا المخيّم واكتظاظه وضيقه على الرّغم من مساحته الكبيرة.
الحرب الأهليّة السّوريّة افترست بيتها ومخيم (اليرموك)،وشرّدت أهله أجمعين،وضمّتها وأسرتها إلى جموع المهجّرين قسراً هرباً بحياتهم والباقي النّزر من كرامتهم التي هُدرتْ مرّة تلو الأخرى في هذه الحرب لأنّهم ضعفاء لا لشيء آخر.
هاهي الآن في سفينة مكتظة بالمهجرين الفلسطينيين متّجهة إلى إحدى الدّول الأوروبيّة،هي سفينة مهاجرة بشكل غير شرعيّ،وهاهو البحر يضرب سفينتهم دون رحمة،ويمزّق شراعها،ويبتلعها على هون بنكهة فزع وصراخ من عليها دون منجد أو معين.
البحر خدع أحلام طفولتها،الآن تكتشف متأخّرة هذه الخديعة الموجعة،وهاهو ينقضّ عليها ليبتلعها كما ابتلع أمام عينيها الكثير من ركّاب السّفينة ،لا تقاومه،ولا تتضرّع للسّماء طلباً لعون أو إنقاذ أو معجزة،تغمض عينيها،وتستسلم تماماً للبحر الذي يسلّها إليه على عجل ابتداءً من رأسها؛فهي لا تزال تحبّ البحر حتى ولو خدعها،وغدر بها.

الصّفعة

من جديد يأتي جيرانه يشكون ابنه،يعاجلونه في المحددة التي يعمل أجيراً فيها بعريضة شفويّة من التّهم الكيديّة لابنه الصّغير الشّقي الذي ضرب -مرّة أخرى- أحد أبنائهم.يغضب الأب بشدّة،ويحمرّ مثل الحديد الذي أخرجه للتّو من أتون الصّهر،يستجوب ابنه الصّغير أمامهم ليعرف ما سبب ضربه لابن جارهم،فيكتشف أنّ سبب ضربه له هو السّبب ذاته الذي يضربه ويضرب غيره من الصّبية أترابه بسببه؛فقد عيّره هذا الصّبي من جديد بأنّه لاجئ فلسطينيّ.
يصفعه أبوه صفعة تطير الشّرر من عينيه،يعاند دموعه كي لا يشمّت به الصّبي الذي ضربه،يغادر الجيران راضين بهذه العقوبة التي وقعتْ عليه للتّو.يشّيعهم بنظرات شزرى حاقدة،يشّده أبوه من كتفه،فيكاد يخلعه،ويسأله من جديد:"هل حقّاً نعتكَ باللاجئ؟!"
-" ونعتني بابن الكلب أيضاً".
- "وهل ضربته ضرباً موجعاً؟!"
- "أبرحته ضرباً".
- "أحسنت يا بني.سلّم الله يمينك"

الرّسام

ربع قرن من عمره المضنى بالغربة والتّهجير أمضاه في بلاد الصّقيع يرسم وطنه فلسطين في لوحات شتّى،يبيع القليل منها كي يؤمّن لقمة عيشه التي تكفل له أن يظلّ على قيد الحياة في شقة صغيرة كجحر اكتراها منذ زمن طويل بأجرة بخسة،أمّا باقي اللّوحات فيرصد ريعها لدعم بعض العائلات الفلسطينيّة المنكوبة المقيمة في مدينته وللإنفاق على أولاد أخيه الشّهيد الذين يعيشون في مخيم كئيب حزين في لبنان.
يشعر بأنّ الموت يداهم جسده الذي هو بعمر قضيته الفلسطينيّة.كيف له أن يسمح للموت بأن يسرقه من حلمه الورديّ بالعودة إلى وطنه ليدفن في ترابها؟!
يكابر على ألم سكرات الموت التي تتنازعه،ويشرع يرسم لوحته الأخيرة.لقد رسم طوال عمره لوحات لوطنه فلسطين،لكنّه لم يرسم في أيّ يوم مضى باباً يؤّدي به إلى وطنه.
مع طلوع الشّمس أنهى رسم اللّوحة،كانت لوحة لباب كبير مطوّق بأشجار الياسمين البريّ،وله مزلاج نحاسيّ كبير على شاكلة باب جدّه في قريته السّليبة.
فارقتْ روحه جسده بدعة،وداعبته مودّعة بنقر أصابعه التي لم تنفكّ تمسك ريشة رسمه،وفتحت الباب المرسوم في اللّوحة،ودلفتْ إلى فلسطين لتحقيق حلمه الوحيد بالعودة إلى وطنه،ثم أقفلت الباب خلفها.

سمكة
كان صيّاداً فلسطينيّاً قد ورث البحر عن أسلافه كما ورث زورقه وشباكه وقصصه وأساطيره وسمكه ونوارسه ومدّه وجزره،لكنّ الصّهاينة جعلوه ضائعاً في الأرض يطرق الموانئ والبحار والمحيطات والسّفن يبحث عن بحر غزّة بعد أن أبعدوه مع الكثير من الصّيادين،تلقّتهم اليونان في أوّل تطوافهم المائيّ السّخط،ثم بعد ذلك غادرها ليبحث عنه في كلّ مكان،لكنّه ظلّ سمكة خارج ماء الحياة.
لم يجد نفسه بعيداً عن بحر غزّة،التحق بالمقاومة المسلّحة الفلسطينيّة،وعاد سرّاً إلى وطنه مع بعض الفدائيين.البحر أوّل من صافح عينيه من وطنه،تنفّس ملء رئتيه ليبتلع نسيم البحر كلّه،وزفر ما تنفّس بقوله:"آه يا بحر غزّة!"


مقايضة

منذ أن هُجّر قسراً من فلسطين وهو يحلم بالرّجوع إليها،مخطّطات حياته كلّها كانت تدور حول الاستعداد لهذا المخطّط المصيريّ،حتى زواجه من تلك الأجنبيّة كان لأنّها أبدت له تعاطفاً عريضاً مع القضيّة الفلسطينيّة،وأكّدت له أنّها تناصرها مناصرة كاملة،الأموال التي جمعها في ذلك البلد الذي يفصله عن وطنه بحور وجبال وسهول كانت لأجل العودة إلى وطنه،تلك الابنة الجميلة التي رزقه الله بّها أنشأها لتكون أمّاً فلسطينيّة،وذلك الابن الباسق الفتوّة والبأس أعدّه غرساً صالحاً لأجل أن يُزرع من جديد في تراب وطنه.
دفع شطر ثروته العملاقة التي حصّلها من تجارة الأخشاب رشوة للصّهاينة الخونة كي يحصّل هويّة فلسطينيّة بعد أن أُنتزعت منه منذ سنين طويلة،والشّطر الآخر من ثروته دفعه كاملاً إرضاء لزوجته الأجنبية التي كشّرت عن أنيابها،وفضّلت الأموال على أيّ قضيّة عادلة في هذه الدّنيا أيّاً كانت،لقد دفعه لها برضا كامل كي تتنازل له عن حضانة ابنيهما،فوافقتْ على ذلك دون ترّدد،أخذتْ المال،وأخذ ابنيه الفلسطينيين ليعود بهما إلى وطنهما،فهناك مهمة مقدّسة تنتظرهما هناك.


حذاء أبيض

في ليلة مداهمة قريتها من قِبَل عصابات الصّهاينة ضاعتْ عن أهلها لأيام طويلة لأنّها تأخّرت عن الهرب معهم كي تلبس حذاءها الأبيض الجديد الذي تقطّعت نياط قلبها رغبة في شرائه،وحلمت به لأشهر طويلة،وخاضت لأجل الحصول عليه حروباً حامية الوطيس دامية الدّموع والجدال لأجل أن تجبر أمّها على شرائه لها من نزير مصروف البيت.
ما كانت لتضحّي بهذا الحذاء الأبيض الأثير،ولو أدّى ذلك إلى أن تتأخّر عن ركب أهلها الخائفين من الفتك والقتل وهدر شرفهم،وهي من بخلت على قدميها بانتعاله كي لا يهترئ.
لقد وجدتْ أهلها بصعوبة في مخيمات الحدود بعد أن نهشها الخوف،وعصرتها الأيدي الباحثة لها عن درب وسط أرتال من اللّحم المضنى الملقى على قارعة الطّريق تحت شمس تسلقهم دون رحمة.
أربعون عاماً مضت وهي لا تنام إلا منتعلة حذاءها أكان أبيض أم غير أبيض خوفاً من أن تضيع عن أهلها من جديد،أو يضيع أهلها عنها بسبب حذاء أثير.




أجيرة

تجوب الحقل بثوبها الفلسطينيّ المهترئ الذي نجا وحده من محرقة الاجتياح الصّهيونيّ التي اجتاحت أرض قريتها،فسلختهم عن حياتهم وكرامتهم وصفو عيشهم وحنون جمعتهم،وألقت بهم لاجئين ضائعين في دروب الدّنيا،الآن هي تعمل أجيرة مستعبدة في قطف ثمار الطّماطم في حقل ذلك الجلف النّحيف ذي الأصداع المطبّقة،والصّدر الذي مُطّ باتّجاه تجويف البطن،ودفع أضلاعه يابسة مشينة مسيئة لعيني كلّ ما يلقى نظرة عليه،هو جثّة متعفّنة منتصبة على قدمين.
لا تبغي من هذا العمل المهين إلاّ أن تؤمّن الخبر والماء النّظيف وبعض الخضار والأرز لزوجها المقعد وحماتها المسنّة وأطفالها الكثر،تعمل من شروق الشّمس حتى غروبها مثل ثور مربوط العينين بساقية ملعونة لا تتوّقف عن الدّوران،اللّجوء القسريّ حوّلها من صاحبة أرض ميسورة الحال مصونة الكرامة إلى لاجئة فقيرة معدمة تخشى أن تُطرد يوماً من عملها،فيموت زوجها وأولادها وحماتها جوعاً.
ذلك الرّجل الجيفة صاحب الأرض يريد أن يهتك عرضها إلى جانب استحواذه على عرق جبينها وكدّ جسدها ثمناً لقروشه القليلة،يطاردها في أرضه ليل نهار،ويحاول أن يستفرد بها بأيّ شكل من الأشكال كي يسلبها عزيزها،ترفض ذلك،وتسبّه،تمسح عرقها بردني ثوبها القديم ذي الحرير الأخضر المهترئ،وتقرّر أن لا تخضع له حتى ولو ماتت أسرتها كاملة جوعاً في سبيل أن تدافع عن شرفها،فهو ليس للبيع،ولا ثمناً لحياة أحد.


ابن شهيد

هو الأوّل في صفّه،يحاول أن يتقرّب من زملائه،لكّنهم يصّدونه حسداً من عند أنفسهم،يغيظهم أنّ هذا الطّالب الفلسطينيّ المعدم الذي يفوقهم ذكاء وتحصيلاً،ويحظى بحبّ معلّميه واحترامهم،لم يأتِ إلى هذه المدرسة إلاّ منذ عام،وعلى الرّغم من ذلك تفوّق عليهم جميعاً،يغيظونه بالقصص التي يحيكونها حول التحاقه بمدرستهم،بعضهم يلقّبونه بالطّريد،وآخرون يلقّبونه باللاجئ،وثلة أكثر قسوة وغلظة قلب يلقّبونه بالشحّاذ،لكنّه يظلّ صامتاً لا يردّ عليهم إساءتهم بأيّ إساءة،فيزدادون شططاً وغيّاً في الإساءة إليه.
فاض حقدهم عليه،فكوى قلوبهم،تربّصوا به عند خروجه من المدرسة وهو ينوء تحت ثقل حقيبته المدرسيّة العتيقة،تكاثروا عليه على حين غفلة،وانهالوا عليه ضرباً وسباباً وتحقيراً،مزّقوا قميصه عنه،هو القميص الوحيد غير المهترئ الذي يملكه،لم يستطع أن يمنع دموعه من أن تذلّه أكثر أمام ضاربيه من الصّغار الحاقدين،لم يمسحها،بل حدّق بهم دون حراك،وقال لهم مستهجناً ضربهم له:"أنا ابن شهيد".


خيمة

الجدّة تصمّم على أن تروي حكايات التّغريبة الفلسطينيّة لحفدتها كي لا ينسوا أصلهم وقضيّتهم ومعاناة شعبهم،الحفيدة الصّغيرة الأكثر ألمحيّة تسأل الجدّة بحرقة: "لماذا يا جدتي في نهاية الحكايات كلّها التي تروينها لنا الفلسطينيون يفقدون بيوتهم،ويُهجّرون من أراضيهم،ويجبرون على الرّحيل،ويسكنون في خيمة في مكان ما؟"
تصمت الجدّة،وتشعر بخوف يترّبص بها خلف إرهاصة هذا السّؤال البريء،وتسأل نفسها بتهيّب وتكتّم:"أهناك رحيل من جديد؟ وخيمة أخرى في انتظارها في مكان آخر؟"
تؤمّّل نفسها بموت هادئ بعيداً عن خيمة النّفي والطّرد والتّرحيل،وتتعوّذ من الشّيطان الرّجيم الذي يوسوس لها بالخيمة الملعونة.


قارورة

لا تعرف الكثير عن قضيتها الفلسطينيّة،ولا تريد أن تعرف شيئاً عنها،نصفها الأوروبيّ قد طغى على نصفها الفلسطينيّ،ولكنّها تعلم تماماً أنّ والدها الذي تحبّه كثيراً كان يحلم بأن يُدفن في تراب وطنه،هي تريد أن تحقّق له أمنيته الأولى والأخيرة.حاولتْ أن تنقل جثمانه ليُدفن في فلسطين،ولكنّها عجزت عن تحقيق هذا الهدف.
نصحتها أمّها بأن تستسلم للعجز،وأن تدفن والدها في مقبرة المدينة الأوروبيّة،وأن تضرب صفحاً عن هذا العناد الذي يغرّمها دون مغنم،لكنّها كانت مصّممة على تحقيق رغبته الأخيرة وحلم حياته البائدة في أحزان المنافي،أحرقتْ جسده في محرقة الموتى معتذرة له عن ذلك لجلال الغاية،ودسّت رماده في قارورة،وسافرتْ إلى فلسطين في قافلة سياحيّة أوروبيّة،واغتنمتْ أوّل فرصة لدفن رماد القارورة في تراب فلسطين.فعاد والدها إلى تراب وطنه رغم أنف الصّهاينة.




خَرَف

عمره أكثر من مئة عام وازداد عشرة،ولكنّه لا يزال ينتظر أن يعود إلى بيته الذي يسميه (العلالي) في قريته الجبليّة في شمال فلسطين،جنّته الأرضيّة معلّقة في ذلك المكان.
أبداً لم يحدّث أحداً من أبنائه أو عائلته عن حياته في تلك (العلالي) حيث كان الثّري المطاع،وسيّد الجميع.ظلّ يدفن عزّه البائد في صدره وذاكرته وهو يتجرّع المهانة،ويعمل أجيراً بقروش قليلة خارج وطنه بعد أن صرّ زوجته وأولاده،وهرب بهم من وجه الموت.
أصابه الخرف في نزاعه،شهرٌ كامل وهو ينازع في سريره،وحوله مئات الأبناء والبنات والحفدة والأنسباء،كانوا جميعاً حوله لا يفارقونه يسمعونه يحدّث أطيافاً يراها في بيته في (العلالي) في (البلاد) كما يسمّى فلسطين.
تمنّوا أن يطول نزاعه كي يستمتع أكثر بخرفه؛لقد رأوه لأوّل مرّة يضحك ملء شدقيه،كان يعيش تفاصيل حياته الهانئة السّعيدة،ويروي لهم فصول حبّه لزوجته الثّانية(سارة)،رأى أهل قريته جميعاً الأموات منهم والأحياء يحدّثونه ويصافحونه بوقار وإجلال،ويلقّبونه بـ( سيّد العلالي).
أخيراً أسدل الموت جفني جدّهم (كايد الصّالح) الذي عاد بعد فراق طويل إلى (العلالي) في قريته الجميلة في أعالي جبال فلسطين.


صوت

في البعيد خلف البحار والمحيطات والجبال والسّهول حيث كان المهجر القسريّ لجدّه وأبيه وله من بعدهما علّموه زوراً وبهتاناً وحمقاً أنّ الكلمة تغلب الرّصاصة،وأنّ صوت الحقّ أعلى من صوت المدفع.
تكلّم كثيراً،وكتب أكثر،وعلا بصوته يدافع عن قضيّة شعبه الفلسطينيّ.لكنّه سريعاً ما اكتشف أن لا آذان تسمعه هناك،ولا قلوب تريد أن تفقه ما يقول.
على حين يقين خلع كلّ ما علّمه الغرباء له من أفكار معلّبة منتهية الصّلاحيّة،واشترى بمدّخراته كاملة ما عليه أن يشتري من سلاح،ويمّم نحو وطنه حيثُ السّلاح هو من يُسمع من في أذنيه وقرٌ أو صممٌ أو مرض.



الصّبي المحظوظ

ربت رجل أشقر نحيف ككلب سلوقيّ جائع على كتفي ذلك الصّبي الذي رأى بأمّ عينيه ذبح أفراد أسرته الفلسطينيّة على أيدي الجنود الأبالسة الصّهاينة،ثم داعب شعره الخاروفيّ الأجعد بحنان مصنوع مزخرف،وقال لصحفيّ يسجّل كلامه في ورقه دفتر جلديّ صغير:"بوصفي رئيس طواقم الإغاثة للنّازحين الفلسطينيين أستطيع القول إنّ هذا الصّبي محظوظ جدّاً؛إذ نجا من الموت في حين ذُبح أهله في طرفة عين".
حاول الصّحفي أن يسجّل على عجل كلام الرّجل الأشقر النّحيف،لكنّ قلمه عصاه،فما استطاع أبداً أن يكتب كلمة (محظوظ)،وكتب بدلاً عنها كلمة (منكوب)،وأبى القلم بعدها أن يكتب أيّ كلمة أخرى؛إذ دخل في محراب الخجل من عار الإنسانيّة الصّامتة!

طابور

منذ الصّباح الباكر والشّمس تصليهم دون رحمة في طوابير ذلٍ في انتظار أن يحصلوا على مخصّصاتهم من المؤن التي تُصرف لهم وفق بطاقات إعانة لمنعهم من الموت،ولحبسهم في ضنك موصول لا ينقضي.
ذلك الوغد الضّخم يضربهم بالسّوط كي يمنعهم من التّململ،ويفضّ به أيّ تحلّق حوله من النّساء المنهكات والأطفال الجياع والرّجال الذي يحلمون بأن يأخذوا حصصهم من الطّعام لصغارهم الجوعى بأسرع ما يمكن.
تثور الكرامة في دمه عندما يراه يَصْلي امرأة عجوز بسوطه،يهدّ عليه كجبل يتداعى عليه،يجرّده من سوطه،ويضربه به حتى يدميه،فيأخذ يستجير بمن حوله دون مجير.
يقول له وريقه يتقافز خارج فمه بزفر موصول قد شُفي غليله:"يا ابن الكلب،لماذا تضربها؟ نحن بشر لا حيوانات،لا نريد طعامكم،نريد أن نموت بكرامة".
يخطو بضع خطوات مبتعداً عن المكان معتقداً أنّ الموجودين في الطّابور قد لحقوا به،يسترق النّظر إلى الذين تركهم خلفه،فيراهم لا يزالون واقفين بذلٍ في أماكنهم ينتظرون حصصهم الضّئيلة من الطّعام،يتوقّف عن المسير،ويجمد في مكانه،يضغط على معدته الفارغة التي تقرقع جوعاً،يطأطئ رأسه،ويعود إلى الصّفّ ليقف من جديد في آخره في انتظار دوره في استلام حصّته من الطّعام دون أن ينبس ببنت شفة.


رسائل شوق


كان صوت(كوثر النّشاشيبي) ما ينتظره في كلّ صبح مذ اعتاد على أن يحمل مذياعه القديم الذي يعمل على البّطاريات إلى كلّ مكان يذهب إليه،يظلّ يتابع عبره برنامج (رسائل شوق) منتظراً بأمل ورجاء وصول رسالة تأتيه من ابنه (جابر) تخبره بأنّه لا يزال على قيد الحياة،يحفظ كلّ رسالة يسمعها في هذا البرنامج،لعلّ اسماً يُذكر فيها يعرفه،فيحمل على عجل بشارة الأمل لأم مفجوعة أو لأب مرهون للانتظار.
يعرف أنّ لا رسالة ستصله من (جابر)؛فهو قد أُستشهد منذ زمن طويل،ولكنّه يخفي هذا الأمر عن زوجته(لطفيّة) كي لا يقتلها هذا الخبر المفجع،ويخفيه عن نفسه كذلك لا يعدم سببه الوحيد للبقاء على قيد الحياة.
يظلّ ينتظر رسالة تأتيه من (جابر)،ويرهف السّمع لصوت المذيعة وهي تقرأ رسائل الشّوق،ولا يقفل مذياعه إلاّ عندما يسمع المقطع الكامل من أغنية (فيروز) وهي تشدو بأغنية(وسلامي لكم)،ويتجاهل من يتهامسون حوله محوقلون حزناً على عقله الذي غادره منذ أُستشهد ابنه الفدائيّ(جابر).


طيران

دون سابق إنذار وجد نفسه معصوب العينين حافي القدمين بمنامة النّوم المخطّطة القديمة منفياً إلى دولة ما بعد البحر الأبيض المتوسّط،بعد رحلة طويلة،عرف أنّه - لسوء حظّه- قد حظي بلقب مُبعد فلسطينيّ.
منذ ذلك اليوم الذي وجد نفسه فيه بعيداً عن فلسطين،وهو يعمل على مشروع حياتي واحد،وهو أن يعود إلى بيته هناك حيث أمّه وأهله وزوجته وطلبته في المدرسة الابتدائيّة.
جرّب أن يعود إليها بحراً،فانكشف أمره،وغرق زورقه،وكاد يقضي غرقاً.جرّب أن يعود براً عبر أكثر من جهة ففشل ذلك،جرّب الأنفاق الأرضيّة فانهارت عليه،وكادت تدفنه حيّاً خارج وطنه.
لم يبقَ أمامه طريق للعودة إلى فلسطين إلاّ عبر السّماء،يحلّق في سقفها الحارق المشّع،يلمح طائراً حرّاً في السّماء،يحسده على أقداره العلويّة،ويتساءل لو أنّه ركّب جناحين هل يمكنهما أن يحلقّا به إلى مبتغاه الأوحد بكلّ ما يحمل من أوزان ثقيلة من الأحزان والأشواق وخيبات الأمل؟!


قطارات

التقوا على قارعة سفر ودروب افتراق كما يلتقي الفلسطينيون عادة،أتوا من كلّ وطن إلاّ من وطنهم الحقيقي،كي يقطعوا ساعات الانتظار في محطّة القطارات حكوا قصصهم التي تبدأ جميعها بالانتساب الدّقيق إلى أرض ما من أراضي وطنهم الأمّ،وعندما أزف وقت الرّحيل،وأعلنت القطارات مواعيد السّفر والافتراق قبض كلّ منهم على جواز سفره الذي يكرّس غربته،ويرسم أحزانه على شكل جنسيّة ما حصل عليها في آخر رحلة التّطواف والتّشرّد والضّياع،تراهنوا على عدم البكاء حزناً على فراقهم الجديد،وابتسموا على مضض،وتصنّعوا اللامبالاة،واتّفقوا على أن يلتقوا ذات فرح في وطنهم فلسطين،وتعاهدوا على أن يفترقوا على ابتسامة وضحك،وتراهنوا على أن لا أحد منهم سوف يبكي لوعة الفراق وبرودة الغربة.
علت في المحطّة الباردة أصوات ضحكاتهم الفلسطينيّة المغرقة في لهجاتهم المحليّة على الرّغم من دموعهم المتوارية خلفها بصعوبة.
كلّ منهم توّجه نحو قطاره الذي سيحمله من جديد نحو البعيد،لا أحد منهم نظر خلفه وهو يسير قدماً نحو مبتغاه القسريّ كي لا يكتشف الجميع أنّه قد بكى،وخسر الرّهان!


غداء

تحمل أخيها في كلّ ظهيرة تحت حرارة الغور السّالقة،وتسير إلى قلب مخيّم (الكرامة) كي تتناول وأخوها الصّغير طعام الغداء في مطعم وكالة(الأونروا) الذي يقدّم وجبة الغداء بشكل يوميّ لكلّ من يحمل بطاقة استخدام للمطعم،والدها دبّر لها ولأخيها بطاقتين للأكل في المطعم بشكل يوميّ،ولكنّه عجز عن تأمين بطاقة ثالثة لأمّها.
تخبئ تحت ملابسها كيساً بلاستيكيّاً شفّافاً،تسكب فيه حصّتها من الطّعام لتعود بها إلى أمّها،فتشتركان في وجبة غداء واحدة،وتنامان دون عشاء في حين تدّخر لأخيها الصّغير نصف برتقالة تُصرف لكلّ طفل صغير مع وجبة غدائه،فتمنعه من أكلها في الغداء لتكون وجبة عشائه.
حملت وجبة طعامها ووجبة طعام أخيها،فانزلقت الوجبتان من يديها،وانسكبتا على الأرض،وتدحرجت نصف حبّة البرتقال نحو البعيد متعفّرة بالتّراب وروث الدّواب.
رجت المسؤولة عن مطعم الوكالة أن تعطيها وجبة واحدة أخرى بدل عن الوجبتين المنسكبتين منها،ولكنّ المسؤولة رفضتْ ذلك رفضاً قاطعاً،ونهرتها بشدّة،وأمرتها بأن تنتظر إلى اليوم التالي كي تنال وجبتي غداء جديدتين.
حملت أخاها بحزن وندم على ما هدرتْ من طعام،وغادرت مطعم الوكالة كسيفة الخاطر،وظلّت طوال طريق العودة إلى البيت تفكّر بأمّها التي تنتظرها جوعى أمام بوابة البيت لتأخذ حصتها من الغداء.

ولادة متعسّرة

اعتادت الولادات المتعسّرة،ولكن ذلك لم يثنها عن إنجاب ثلاثة عشر ابناً وابنة.هذه ولادتها الرّابعة عشرة،هي الأصعب،وهي من تقدّم بها العمر،ولاكتها السّنون والهموم.
زجرتها الممرّضات وهن يرمقن ثوبها الفلسطينيّ القديم الذي يجهر بأنّها قادمة من البعيد،ولا تنتمي لهنّ،طالبنها بكتم صراخ ألمها الذي يتفتّق عن خروج جنينها من جسدها،قالتْ إحداهنّ:"اخرسي،ولا تصرخي أكثر.لقد أزعجت الجميع بصوتكِ.من تظّنين أنّك ستلدين؟!"
ردّت الفلسطينيّة بفخر وهي تكزّ على شفتيها،وتبلع ريقها،وتدفع كلماتها بصعوبة خارج نفسها الموجوعة:"سألد فدائيّ فلسطينيّ يا بنت الكلب".

موت

جدّته لأبيه حيّرته دائماً بشخصيتها المتذمّرة من كلّ شيء،لم يعجبها في يوم طعام أو شراب أو ماء أو هواء أو لباس أو معشر أو منظر أو بشر في مهاجرها التي ساطت غربتها،وكوتْ نفسها ضياعاً ومعاناة ووحدة وقلقاً،وظلّت تقول جملتها الشّهيرة:"كلّ شيء في فلسطين أجمل".
عندما مرضتْ أقسمت على أبنائها وحفدتها وأنسبائها أن ينقلوها لتموت في فلسطين قائلة:"الموت في فلسطين أجمل".
وعندما خاضتْ باستسلام سكرات الموت أوصت الجميع بأن يدفنوها في أرض فلسطين قائلة بثقة من رأى اليقين في لحظات النّزع:"الأرض في فلسطين أحنّ على أجساد أهلها".

قلادة

كلّ ما تملك من وطنها هو هذه القلادة المعدنيّة على شكل خارطة فلسطين معلّقة في رقبتها بخيط قنّب،تحرص على أن تخرج هذه القلادة من عنق سترتها كي لا تختفي في صدرها عن الأعين التي تتفاخر أمامها بفلسطينيّتها.
سكنتْ مع أسرتها منذ وقت قريب في هذا الحيّ في ولاية أمريكيّة نائية بعد أن جاءت مع أسرتها للعيش هنا مع النّاجين من عمليات الإبادة الجماعيّة للفلسطينيين في مخيّمها،والتحقتْ حديثاً بهذه المدرسة الابتدائيّة الجميلة القابعة في غابة خضراء صغيرة،أجلستها المعلّمة بالقرب من تلك الشّقراء الصّغيرة التي تعلّقتْ عينيها بالقلادة المعدنيّة التي خطفتْ إعجابها بلونها القديم المشبّع بالخضرة المسودّة،استهدتْ القلادة من الطّفلة الفلسطينيّة التي سخرتْ من هذا الاستهداء بابتسامة ميّتة،وقالتْ لها بحزم وإصرار:"لا أهدي فلسطين لأيّ أحد".

مطار

التقيا في صالة الانتظار في المطار،صمّم الصّهيونيّ الذي يلبس لوناً أسود يماثل لون داخله،ويهزّ جدائله ذات الرّائحة المتعفّنة على أن يدسّ رأسه بالكتاب الذي يقرؤه الرّجل الذي جلس صدفة إلى يمينه.
من السّهل على جاره في المقعد أن يدرك أنّه صهيونيّ من ملبسه وطاقيته وجدائل شعره وترانيمه التي تشبه نقر طائر الخشب في جذع شجرة،ورائحته صنانه هي برهان يقطع الشّك باليقين على أنّه صهيونيّ.في حين صعب على الصّهيونيّ المسافر أن يخمّن أن جاره هو فلسطينيّ مهجّر.
في محاولة فاشلة من الصّهيونيّ لاستدراج جاره لأيّ حديث كان لقتل الوقت سأله بالإنجليزيّة التي خمّن أنّه قد تكون لغته:"أنا إسرائيليّ،وأنا في طريق عودتي إلى موطني إسرائيل.إلى أين تسافر أنت؟"
أجابه الرّجل بتقزّز: "إلى بولندا".
سأل الصّهيونيّ باهتمام مزوّر: "أهي وطنكَ؟!"
أجابه الفلسطينيّ بتقزّز:"بل وطنكَ أنتَ.أمّا وطني فهي فلسطين".



قرش

خرج مُهجّراً قهراً من فلسطين،لا يملك شيئاً إلاّ قرشاً فلسطينيّاً مثقوباً كان يدسّه في جيبه مفتخراً به منذ أن أهداه له عمّه الشّهيد في ثورة الفدائيين ضدّ الانتداب البريطانيّ في عام 1936،كلّ ما آل إليه من وطنه هو قرش مثقوب منسي في جيب ثوبه الوحيد الذي خرج به بعد أن خسر أهله وبيته وأصدقاءه وعالمه كلّه،كما خسر الكتّاب الذي يدرس فيه والمصحف الشّريف المذهّب النّادر الذي أحضره عمّه له هديّة من الأراضي الحجازيّة عندما ذهب إلى الحجّ.
الآن لم يعد يملك شيئاً،فزهد بعقله الذي يذكّره بمأساته،عقد القرش الفلسطينيّ الوحيد الذي يملكه بخيط صوف أحمر اللّون وجده متروكاً مهملاً في الأرض،وعلّقه في رقبته،وانخرط يلاحق عوالمه الماضية الرّاحلة عنه في أحلام يقظة يطاردها ليل نهار في المهجر الذي دُفع إليه مع غيره من المدفوعين إليه من الفلسطينيين.وكلّما استوقفه أحدهم مشفقاً على خبله داسّاً في يده بعض المال كي يستعين به على كربه وشطحاته وجنونه المقيم يقفل كفّ يده بقوّة وإصرار،ويرفض أن تستلقي فيها أيّ نقود غريبة،ويقول لمن يتصدّق عليه رأفة به وإشفاقاً على حاله: "أريد قرشاً فلسطينيّاً".


بُقجة( )


هي من أرسلتْ له هذه البقجة مع أخيها الأصغر،لا بدّ أنّه خاطر بنفسه ليوصلها إليه قبل أن تقلع السّفينة،وتحمله ورفاقه بعيداً عن لبنان ليكون أبعد عن فلسطينه،يمسك البقجة،ويضعها أرضاً متشائماً منها؛فلطالما كره البقج؛فأمّه هجُرت عن وطنها بواحدة مثلها،وطفولته اكتستْ من بقج الإعانات التي ما أفرحته يوماً ببنطال جديد أو قميص يناسبه أو منامة دون ثقوب،البقجة كسرت خاطره كثيراً في طفولته،وأبكته مراراً على عيد يداهم طفولته دون ملابس جديدة،وها هي الآن تكسر خاطره عندما تكون آخر عهده بمن يحبّها،لا يسأل نفسه ماذا وضعت(رباب) فيها من ملابس وأشياء تخمّن أنّه قد يحتاجها،يرفعها من الأرض،ويقرّبها من أنفه،ويحاول أن يشمّ فيها عبق(رباب) دون أن تلمحه عيون الرّفاق المشغولة عنه بألم الفراق وقلق القادم ومتابعة الأفق المستلقي في أقصى البحر.
يقرّب البقجة من صدره،ويضمّها إليه لتنام(رباب) على صدره دون أن يعرف أنّها الآن وحدها دون حمايته تواجه الإبادة كما يواجهها أهالي مخيّم (صبرا وشاتيلا) بعد أن غادره الفدائيون الفلسطينيون مجبرين على ذلك،يضمّها أكثر إلى صدره،ويحلم بـ(رباب).

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  185
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:43 صباحًا الجمعة 20 يوليو 2018.