• ×

02:12 مساءً , الإثنين 18 يونيو 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة أكاذيب البحر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
قصة قصيرة

أكاذيب البحر
"الويل لمن يصدّق البحر "

بقلم: د.سناء الشعلان/ الأردن

(1)
أُكذوبة الجَزر
يتجشّأ البحر وهو ينسحب في الجزر، فيبتلع نفسه، وتعلوه رائحة الأسماك، فتبرز سارية السفينة الغارقة منذ مئات السنين قُبالة قريته الصغيرة، ومن بين أرض الشاطىء الرطبة المنكشفة التي عرّاها البحر تبرز هي، تأتيه راكضة بسرعة موجة، وبأسرار غيمة، تكتسي بأردية من زُرقة البحر، تلك الأردية التي اشتهاها لسنوات ثلاث، يرهف مشاعره وعينه متأمّلاً ورودها الذي يؤنس رجولته.

يفتح ذراعيه ،ويصدّر صدره العاري لاستقبالها، ترتمي بكلّ زرقتها بين يديه، تتمنّى أن تجد متسعاً من الوقت لتقول له كم تعشقه، يتمنّى لو يجد جرأة في نفسه ليقول لها كم انتظرها، لكن لا وقتاً ولا جرأة يتوفران ليقولا ما يحلمان به. يطوّقها بيديه العاجيتين بكلّ ما أُوتي به من قوة وشوق وحرمان، تقول له ضاحكة كعادتها: "ضمني بقوة، ضمني بقوة أكبر يا رجل الجزيرة الناسك". يقول لها بصوته الرخيم الذي يستوطنه إيمان ناسك، وتعلوه رهبة المساجد ونسيم المآذن: "أهلنون وسهلنون حبيبتي."

تهمس في أذنه اليمنى بضحكة مائية صاخبة:" أحبكَ". فيردّ عليها محاكياً نبرة صوتها: "أحبّكِ حدّ الموت". تقول له وهي تراقب جزر البحر في عينيه:" إذن هذا هو البحر؟ بحرك."
- " ألم تري البحر من قبل ؟ "
- " هذه هي المرة الأولى التي أرى بحرك فيها ".
- " ولكنّك تأتين في كلّ جزر! " يقول بحيرة وقلق.
- " قلتُ لك إنّ هذه هي المرة الأولى التي آتي فيها إلى هذا المكان ".ردّت بنزق وعصبية لا تحاول أن تخفيهما.
- "البحر مليء بالحكايا، ستحبيّن حكاياه ".
- " البحر مليء بالأكاذيب، ستحبّ أكاذيبه ".
- "البحر يزخر بحكايا من انتحروا لأجله " قال وهو يحدّق في سارية السفينة الغارقة قُبالة الساحل.
- "البحر يزخر بحكايا من قتلهم" قالت وهي تحدّق في صفحة وجهه الغارق في نور الشمس المنعكسة عن وجه البحر.

استدار بطفولية قرّر منذ زمنٍ أن يحاربها، وقال: " إنّي أحبّ البحر إلى حدّ أنّي ضحّيت لأجله بالعمامة السوداء ".
- " ما هي العمامة السوداء ؟ " قالت وهي تنزلق إلى جانبه، وتسند ظهرها إلى الصخرة التي يسند ظهره إليها.
- " تعني إمامة الطائفة من بعد والدي أطال الله في عمره ".
- " وهل من يلبسون العمامات السوداء يُحرمون من البحر؟! ".
- " يُحرمون من أشياء كثيرة ". قال وأصابع يديه تتحرّش بلا وجلٍ هو من طبعه بخصلات شعرها العسلي الطويل.
- " أنا أحبّ البحر ؛لأنّك تحبّه، لأنّك تشبههه، لقد كتبتُ عنه ألف قصيدة، وحفظت كلّ أساطيره".
- " وماذا كتبتِ يا ألذ حوّاء على وجه الكرة الأرضية ؟".
- " كتبتُ كلّ أكاذيب البحر ".
قال بتعجّب الأطفال الذين تشبه قسماته قسماتهم، ويداني ُطهره ُطهرهم : " كلّها ؟! ".
- " كلّها " قالت وهي ترتعد برداً من رطوبة الأرض اللزجة والصخرة البارز الأول من الأرض عند كلّ جزر، إذ تتعرّى بلا خجل بعد أن ينحسر البحر بترنّج سكّير عجوز. التصقت بناسك البحر، وتكورت بجانبه تبغي دفء جسده، كان عارياً إلاّ من إزار الصيادين المحليين.
- " ماذا عني؟ " سأل بابتسامة هادئة.
- " أنت أكذوبة البحر الكبرى ".
- " أيّ بحر ؟! ".
- " بحر قلبي ".
- " إذن أنا أكذوبة ؟! ".
- " دعنا من الأكاذيب.عندي لك مفاجأة ".
- " وما هي هذه المفاجأة ؟ "
- " خمّن ... ".
- " انتهت توقعاتي، فأنتِ بحرٌ أعجز عن السباحة فيه ".
- " أنظر ماذا وجدت على الشاطىء ".
تفتح كفيّ يديها، فيلقي نظرة فضولية عذبة على ذلك العشب البحري الأخضر الذي تحمله، يفركه بقوة يمنه ويسره، يتوهّج العشب الأخضر بوهج ذهبي، ثم يفتر الوهج، ويختفي تماماً، تفركه من جديد محاولة تهيج لمعانه، لكن دون فائدة، يقول لها بنبرة من يكلّم طفلاً صغيراً:" يا حبّي هذه الأعشاب البحرية تتوهّج مرة واحدة فقط ".
- " وماذا بعد هذه المرة الواحدة ؟ ".
- " لا تعود للتوهّج ".
- " لماذا ؟ ".
- " لأنّ هذا قدرها ".
- " أقدرها أن لا تتوهّج إلا مرةً واحدة ؟!".
- " هكذا هي الأشياء الجميلة تأتي مرة واحدة فقط ".
- " إذن عشقي لك مثل هذا العشب البحري الأخضر ".

يقهقه بضحكات تشبه تكسّر أمواج على صخور صلده، يتنهّد قائلاً: " يا لك من امرأة طفلة !! لو كنتُ عرفتكِ منذ زمن لما نال الشيب مني ".
- " وماذا عن الآن ؟".
- " الآن ؟! أنا أدمنتك يا سيدتي، إدمان الشمس على الشروق، إدمان النحل على رحيق الأزهار، إدمان البحر على الشواطىء، إدمان البلابل على التغريد ".
- " أيعني هذا الكلام أنّك تحبّني؟ ".
- " أنا لم أقل إنّي أحبّكِ".
- " ولكنكَ قلتَ ذلك قبل قليل ".
- " متى ؟ ".
- " في لحظة الجزر ".
- " هذه أكذوبة الجزر، إيّاك أن تصدقي أكاذيب الجزر ".
- " ولكنني أعشقكَ ".
- " الويل لقلب عشق أكذوبة الجزر ".
- " ولكنني أعشقكَ ".
- " هيا لنغادر المكان، فبعد قليل سيمتدّ البحر من جديد، ليغمر المكان بمائه ".
-"أتخشى البحر وأنتَ صيّاد؟!"
-"أنا لست صيّاد بل صانع كلمات،أفنيت العمر في دراسة الكلمات،ولا شيء غير الكلمات".
-"ولكنّك قلت لي إنّك صانع كلمات!!"
-"متى كان ذلك؟!"
-"في ساعة أُكذوبة الجزر."
-"كلّ ما يُقال في زمن الجزر هو كذب."
-"ولكنني أعشقكَ."
-"وأنا أعشقكِ ،أقسم على ذلك."

(2)
" أُكذوبة اللؤلؤ "
عرفها منذ سنوات، قابلها في لحظة من لحظات نوم القدر، أعجب بها بشدة، ورغب بقوة في أن يقول لها: " اشتهيك بشدة، اشتهي أن أسمع صهيلك يضجّ في أذني، أشتهي أن ابتلع تنهداتك بقبلي،أشتهي أن... " سحرته زرقة عينيها اللتين تشبهان زرقة عيون عرائس البحر اللواتي أعيينه بحثاً عنهن في بحر قريته، وإن كنّ موجوات بكثرة في ليالي ألف ليلة وليلة، التي قرأها سراً عشرات المرّات. وعجب بشدة أنّى لهذه الحورية أن تعيش في الصحراء بعيداً عن الماء ؟! تماماً كما عجبت هي أنّى لبلاده التي تحرق شمسها الأشواق والأكباد أن تلد شيبه الفضي الساحر،وأن تهبه بكل ّ هذا السخاء لشبابه الفاتن، ولرجولته الطاغية والمتفلّتة بصعوبة من وقاره وصمته.

كادت تحدّثه، ولكنّها خشيتْ من وقاره، كاد يحدثها لكن كِبْره منعه، فهو سليل العمائم السوداء، والوجوه البيضاء المتّشحة بالحمرة المتمرّدة على السمرة، وحامل سِفْر الحرمان الأعظم، لا يضحك، لا يعشق، لا يبكي، لا يحبّ، لا يشتهي، لا يصرخ، لا يحتجّ على الحرمان؛ لأنّ ذلك كلّه محرمٌ عليه؛ لأنّه يحمل لقب سيد، والأسياد في عرفه كالجياد العربية تموت عطشى في المضمار، ويمنعها كِبْرها من أن تشرب، والماء قيد أنملة من الاستسلام لقدرها المشؤوم.

لكنّه يشتهيها، يريد أن يذيقها ثمار رجولته دون نساء الدنيا، والسفر قريب لا يحتمل التأجيل،يريد أن يسمعها شعر العشق الذي اضنى طفولته وهو يحفظه، وفي النفس حاجات لم تقضَ. في لحظة شجاعة قلّ أن يعرف قلبه الذي يزجّ برجولته وشهواته خلف بابٍ من الصمت مثلها اقترب منها وحشرجة ما تعشعش في حلقومه، تهاجم صمته، وتتمرّد عليه، انقضّ على لامبالاتها قائلاً دون أيّ مقدمات :" يا حورية بحري، أترحلين معي ؟ أنا أحبّك ".
- " ولكنّني أخاف البحر " ردّت كأنّها قد هيّأت الإجابة منذ ألف سنة.
ابتسم وقال :" إذن تزوجيني الآن، تزوجيني زواج بحر ".
-" وكيف يكون زواج البحر ؟"
- " يكون عنيفاً غريباً قاتلاً وسرعان ما يرحل يا خاتون ".
- " ليس اسمي خاتون، هل نسيت اسمي ؟! أنا اسمي ... ".
- " بل أنت خاتون، خاتوني ".
- " كيف ذلك ؟ ".
- " كان والد جدّي لأبي صاحب أشهرعمامة سوداء في سلالة من العمائم السوداء التي يرجع نسبها إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، أمّا والد جدتي لأبي فكان أشهر تاجر لؤلؤ في جزيرتي بل وفي الخليج كلّه، وسيراً على سياسة تزاوج المال والنقود، تزّوج جدي وجدتي، وعاشا أجمل حياة، كان أبي البذرة الوحيدة لهذا الحبّ الذي دام عشرين سنة، وماتت جدتي، كان اسمها خاتون، منذ موتها ما انفك جدي يرى نساء الأرض جدتي، ويلحق اسم خاتون باسم كلّ واحدة منهن، كأنّه يأبى أن يلفظ اسم أيّ امرأة في الدنيا دون أن يقترن باسم المرأة الوحيدة التي أحبّ ".
- " وبذا كانت خاتون أسطورة العشق الحقيقية التي عرفتَ ؟ ".
- " نعم يا خاتون، وأنتِ أسطورة عشقي التي أريد أن أعيش.هيا تزوجيني وكوني أسطورتي ".
- " ولكن ماذا سيبقى لي بعد سفرك ؟ ".
- " سيبقى لك البحر وحبي ".
- " ولكنني أعيش في الصحراء ".
- " ولهذا سأهبك البحر ".
- " لا أريد البحر، أريدك أنت ".
- " سأهبك ألف لؤلؤة ".
- " لا أريد اللؤلؤ، بل أريدك أنتَ ".
- " هل تتزوجينني الآن ؟ ".
- " زواج بحر ؟ ".
- " نعم، حيث لا شهود ولا عقد، ليس هناك إلاّ البحر ".
- " ولكن ؟! ".
- " تزوجيني ... تزوجيني .. ".

وتزوجا، لساعات، لأيام فقط كانا زوجين، تسكعا في أرجاء مدينة القحط، مارسا العشق في كلّ أرجائها،اختزلا في ساعات حبهما كلّ مراحل وقصص الحبّ ؛ إذ إنّ الفراق يقف منتظراً على الباب، وتذاكر السفر تقبع في جيب قميصه البحري. وجفّ البحر في فراش عشقهما؛ إذ كان عشقاً حاراً كافياً ليذيب الجليد، وليحرق الماء .
وسافر سليل الأساطير والعمامات السوداء، ولم يعدْ بعد أن كتب على عجلٍ على بوابة صحرائها :" كانت مدينة القحط طيلة سنوات ثلاث مدينة لا تُطاق، كنتُ أتمنى الخلاص منها، وتركها في أسرع وقت، لكن عينيكِ صيرّتا القفر واحة يهوي القلب إليها، ليستريح فيها من عناء الدنيا، فإليكِ يا من صيّرت الموت حياة أهدي حُبي ".

ولما طال الانتظار ولم يعد في موسم المطر كما وعد ،كتبتْ تحت كلماته بتريث قاتل :" أنتَ لن تعود، أنتَ أُكذوبة اللؤلؤ، وشقيّ هو من يصدّق الأكاذيب .. أحبّك ".



(3)
" أُكذوبة النوارس "


" حرام أن تعشق، حرام أن تشتهي" هذا هو الدّرس الأوّل في أرض الحّر والرطوبة والماء، وهذا هو الدّرس الأوّل الذي لقّنه لصبية الطائفة عندما كان معلّماً طفلاً يلقّن الأجرمية للصبية، ويشرحها لهم بما تيسر له من علم وحفظ، وهذا ما رآه مسطوراً في كتب أبيه التي كان القيم الأمين عليها.

ولكنّه على الرغم من كلّ ذلك يعشق، ورغماً عنه يشتهي امرأة أرض القحط التي بعث لها يوماً خطاباً سرياً مع نوارس البحر التي تعشق صمته وتواطئه مع أشواقها وحنينها،قال فيه " يا عمري، لقد حدّثت الأصدقاء طويلاً عن سحر عينيك ورقتك وأنوثتك، كانوا يستمعون وهم بين مكذب للخبر، ومستغرب من جرأتي، وآخر يتمنّى لو يتاح له ما اتيح لي ... أحبّك ".

فحملت الأمواج له شهقة خجلها وهي تقول:" هل حدّثتهم بكلّ شيء؟" .فبعث لها برسالة حملتها الأمواج بارتياح قال فيها:"أنا ياعمري لا أبوح لهم بكلّ شيء غيرة عليك ،إنّما أحدّثهم بالكليات ،وعليهم أن يستنتجوا الجزئيات."

فردّت عليه بكلمة واحدة حفظتها نوارس البحر، وهمست بها إلى العاشق، وبقيت تكرّر الكلمة حتى ضجّ البحر بها، وتبرّم منها بشدة، فهو لا يحبّ أن يسمع كلمة " أحبك " التي تعلن التمرّد على صمته، وعلى جبروته.
وحكم البحر على النوارس بالحزن طوال عمرها، وفرض عليها الإقامة الجبرية على الشواطىء، وقطع السبل بين العاشقين؛ لأنّه على الرغم من قوته جبانٌ يخشى الحروب، ويهوى الصمت، وإن كان أحياناً يحاول أن يكفّر عن ذنبه بغسل شاهد قبر امرأة قيل إنّ اسمها خاتون، وأنّها لم تسطع أن تصمد على فراق رجلٍ يحترف الفراق والوداع، فماتت بعد أن كتبتْ على شاهد قبرها :
"هجرتكِ حتى قيل لا يعرف الهوى
وزرتكِ حتى قيل ليس له صبرُ
فيا حبّها زدني جوىً كلّ ليلةٍ
ويا سلوة الأيام موعدك الحشرُ"

ولكن البحر عاد لسخطه من جديد؛ لأنّه سمع من مصدر غير موثوق فيه أنّ القبر ليس إلاّ أكذوبة من أكاذيب النوارس التي اخترعتها لتديم نطق كلمة " أحبك " التي فُتنت بموسيقى حروفها، وأدمنت تكرارها حتى وهي تنهش جسد امرأة قيل إنّ اسمها خاتون، كانت عارية تماماً إلاّ من خاتم زواج بحري مجهولٌ صاحبه كان في أصبع يدها ،بعد أن ألقت بنفسها في البحر في أرض القحط حيث لا بحر !!!


(4)
أُكذوبة الأمواج

اعتاد منذ صغره أن يثق بالبحر وبأمواجه مع أنّه يعلم كم من الصيادين والعاشقين والمستضعفين قد ابتلع البحر دون رحمة، لكنّه يقدّر سلوك البحر لمسوّغ لا يستطيع أن يصوغه بالكلمات، لكنّه يدركه بالإحساس، ولو وضعت خاتون يديها على قلبه ،إذن لأدركتْ معناه تماماً، فهي دون بشر الدنيا من تفكّ طلاسم صمته وحيرته، وهي من تفجّر فصاحة فحولته، وهي من يستطيع أن يبكي بين يديها دون خجل.

كما أنّ أمواج البحر قد كانت خير صديق مخلص له، فقد حفظت أسراره سنوات طويلة تعادل سنين عمره، دون أن تبوح بسرّ واحدٍ منها، لذا فقد باح لها بسرّ حبّه لخاتون، وأودعها كلّ خطاباته التي كان يبعث بها إليها، فحفظتها في بلورة من بلورات زبدها، وتركتها تتهادى على تعرّجاتها.

البارحة كتبَ لخاتون خطاباً أصفر، قال فيه :" الحرّ والرطوبة هنا لا يحتملان، ولكنّهما يهونان إذا ما قستهما بفراقك الذي ينغّص حياتي عليّ ".فحملتْ له أمواج البحر خطاباً منها كُتب فيه " أحبّك ".

من جديد أرسل خطاباً أحمر كُتب فيه " أنا مشتاق إليك، أشتهي أن أضمك ضمة تختفي فيها أضلاعنا في بعضها، أريد أن ألقاكِ بقبلة تذوب شفاهنا فيها حباً وغراماً، وأريد ..".فأرسلت له خاتماً مصنوعاً من زبد البحر، وقالت له:" البس هذا الخاتم، ولا تخلعه أبداً،سأعرف أنّك تحبّني ما دمت تلبسه".

على عجل لبس خاتم الزبد بمساعدة أمواج البحر،كان على مقاسه تماماً ،فأرسل لها خطاباً أخضرَ يضجّ بعشقه قال فيه:"أنا لن أخلعه أبداً ما بقيت على قيد الحياة؛لأنّ هناك أناسٌ ينحتون في أعماقنا مشاعر رائعة لا تنسى"فحملت أمواج البحر له خطاباً منها كُتب فيه:" هناك رجل سيندسّ في القريب في فراشي اسمه زوج، لا أريد أن أكون قاسية عليك، فأجشّمك فوق طاقتك، ولكن ما تراك فاعلٌ ؟! أحبك ".

فبعث لها خطاباً أحمر حملته الأمواج على مضض واستحياء كُتب فيه :" ومتى كنتِ قاسية ؟! أنا أراكِ أرقّ من النسيم، وأجمل من كلّ جميل ".

فبعثت له صور زفافها، وصفحة من خبر نعيها في الجرائد، وعنوان المقبرة ٍالتي دُفنت فيها، وكلمة " أحبك ".حزن بشدّة، وبكاها كما لم يبكِِ حباً لا سيما أنّ قلبه لم يعرف العشق من قبل، ثم رجا أمواج البحر أن تحفر على شاهد قبرها عبارة :" لم أذقْ السعادة إلاّ بين يديك .أحبّك ".

حملت الأمواج رجاءه وهي تشعر بغيظ غريب، وسرعان ما لفظته مع ذلك القيء المفاجيء الذي داهمها، وابتلعت في سورة غضبها عشرات من سفن الصيادين؛ إذ إنّها غضبت لأنّها أكذوبة، وما خُلقت أبداً لتكون أكذوبة، بل لتكون قدراًُ على شكل ماءٍ، وكذلك كانت...


(5)
أُكذوبة المدّ والمرجان

كم هي حبيبته امرأة جاهلة !! حتى أنّها تجهل البحر وعالمه، ولا تفرّق بين اللؤلؤ الحقيقي أو المزيّف، وعندما أخبرها آسفاً بعجزه عن شراء عقد اللؤلؤ الذي تطلبه، لأنّه باهظ الثمن، تبسّمتْ وفي عينيها هدوء غريب عن طبعها، وقالت له بدفء نبرة الأمهات :" إذن احضر لي عقداً من اللؤلؤ المزيف، وسأبدي به سعادة لا تقلّ عن سعادتي باللؤلؤ الحقيقي ".
- " ولكنّه لؤلؤ مزيف، فكيف آتيك به ؟! علي أن آتيك باللؤلؤ الحقيقي ".
- " هذا أفضل من أن تأتي دون تحقيق أمنيتي ،ثم ماالفرق بين اللؤلؤ المزيف والحقيقي؟ بالمناسبة لماذا لا تحضر لي عقداً من المرجان؟ أهو رخيص الثمن ؟".
- " هو رخيص للغاية ".
- " إذن أريد عقداً من المرجان ".

ومن جديد استغرقت في ضحكها الذي يعشقه، واختالت فخراً بجيدها الذي لم يطوّقه عقد اللؤلؤ،ولكن طوّقته فقط قبلاته السخينة.

لا يستطيع أن يهرب من ضحكاتها حتى بعد أن هجرها؛ لأنّه أحبّها كما لم يحبّ يوماً بشراً، لكن زوجة ضعيفة، وأبناء أربعة، وإرثاً من العقائد والمحرمات والظروف والموانع فرّقت بينهما، للدّقة سمح لها أن تفّرق بينهما، فهجرها، وإن لم تهجرها نفسه. رجته الإباب، فلم يستجيب لرجائها، سبّته فلم يرد سبتها، اتهمته بأفظع التهم فما نالت من صبره، ومن عزم قراره. وعندما يئست غابت كأنذها لم تكن، ولكنّها لم تغب يوماً عن قلبه وعن وجدانه.

ومرت السنون، وتذكرته، وقد خال أنّها نسيته، إلى أن جاء طرد منها، كان الطرد صندوقاً أحمرَ كبيراً، مكتوب عليه بخط يدها الذي ما زال عدم الوضوح والارتجاج يميزانه. وفي الصندوق كان هناك ألف رسالة كتبتها عبر سنين من الحرمان والقطيعة، قالت إنّها كتبتها كي لا تصاب بالجنون.

إلى صخرته المعتادة أسند ظهره المعنّى بثقل عشق ألف رسالة، كان الجزر قد انسحب بمقدار عظيم من البحر، كانت الأرض رطبة باردة شأنها في ذلك شأن شتاء البحر القارص، لكنّه ما بالى بذلك، دسّ سماعتي جهاز التسجيل في أذنيه، وأرهف السمع لموسيقى المونامور ( monmour ) التي يحبها بشدّة.

كان ديوان شعرها الأوّل هو أبرز ما طالعه في الصندوق الاحمر، قلّبه على غير عجل، ثم قرأ قصائده، إذ رأى نفسه يتربّع في كلّ الكلمات، وإن كان يبرز باختيال وبألوان برّاقة في خاتمة ديوانها إذ كتبت بنوح نسائي مكابر :" قال إنّه سيكتب لي كلمات مائية، تسبح فيها أسماك أسطورية ملوّنة، وتغرق فيها مدن من الأحلام والأوهام، وترسو فيها سفينة العمر، قال لي إنّه سيكتب لي كلمات بخيوط الشمس، وبجموح السراب، قال لي إنّه سيهديني كلمة الحب العظمى، وصدّقته، ثم غاب، وما غاب انتظاري له، ولا غاب انتظاري لكلماته المشتهاة، وما أكثرها من كلماتٍ كانت!! ليته عاد،وغابتْ الدنيا".

كلمات خاتمتها ذكّرته بوعدٍ كان قد قطعه للشاعرة في زمن الحبّ الغابر، كان قد وعدها بأن يكتب خاتمة لديوانها،ولكنّه أخلف وعده الصغير وفق عادته معها.شعر بخجل ؛لأنّه أخلف وعده للمرأة التي عشقته.

صمت زمناً وموسيقى مسجلّه تحفر أحزاناً في روحه، تذكّر وإن لم يكن ناسياً كم كانت تلك الشاعرة العاشقة تعشق هذه الموسيقى التي أحلّ لنفسه أن يسمعها في حين حرّم عليها أيّ أغانٍ أو موسيقى أخرى، ولاح في أذنيه صوتها وهي تضحك من رجل لم يسمع في حياته قط صوت أم كلثوم أو فيروز أو عبد الحليم حافظ، وشرع يقرأ رسائلها الألف، الواحدة تلو الأخرى، كانت سِفْراً من الحبّ أو الحقد أو الغضب أو مزيجاً من كلّ ذلك.

استغرق ساعات طويلة في قراءة الرسائل، عندما انتهى كانت نفسه مشروخة حدّ الاتساع لابتلاع ماء البحر الذي عاد من الجزر مداً، وغمر جسده حتى الركبتين، مزّق الرسائل، فغدت حمائم بيضاء تتهادى على صفحة البحر الساكن على غير عادة،طالع خاتم الزبد الذي يلبسه منذ أن عشقها ولم يخلعه أبداً، ثم أخذ نفساً عميقاً، وانسرب سمكة في الأعماق ليجلب لحبيبته الشاعرة لؤلؤاً ومرجاناً ،فحبيبته جاهلة بالبحر، لكنّها حَبْر العشق الأكبر.



(6)
أُكذوبة الأصداف
كلّ صدفة تحمل أكذوبة، ومن يجيد تخير الأصداف،ويحسن إرهاف السمع لها، يستطيع أن يسلّي نفسه بأكاذيب البحر.ولكن الويل لمن يصدّق أكاذيب الأصداف.
أكذوبة صدفة ( 11 ) : الجزر يخاف من البحر.
أكذوبة صدفة ( 5 ) : لا أحد يتزوج بعُرف البحر.
أكذوبة صدفة ( 69 ) : النوارس تكره كلمة " أحبّك ".
أكذوبة صدفة ( 21 ) : خاتون لم تبعث ألف رسالة عشق.
أكذوبة صدفة ( 5 ) : اللؤلؤ يعشق الأحزان.
أكذوبة صدفة ( 77 ) : الأصداف ليس لها أكاذيب،البشر فقط من لهم أكاذيب،هذا ماورد ذكره في ألف رسالة عشق أرسلتها امرأة يائسة.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  77
التعليقات ( 0 )

سحابة الكلمات الدلالية

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:12 مساءً الإثنين 18 يونيو 2018.