• ×

08:16 مساءً , الجمعة 17 أغسطس 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة القبّعة الزرقاء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
القبّعة الزرقاء
د.سناء شعلان
القبعة الزرقاء التي طارت بعيداً في الهواء المشبّع برائحة الكبريت، والمشحون بحرارة الانفجار وبصوته، كانتْ آخر حركة رآها قبل أن ينزلق في غيبوبة دافئة لزجة دبقة تشعره بأنّه قد تبوّل في فراشه في ليلة صيف، لم يعجبه أبداً لون القبعة الأزرق الفاتح البهيج الذي يناسب الفتيات الجميلات أكثر مما يناسبه، ولطالما تمنّى أن يبدل بلون قبّعته أيّ لونٍ آخر إلاّ لونها الأزرق، وتساءل باستهزاء وفضول: "ما علاقة اللون الأزرق بهيئة الأمم المتحدة؟"، لكنّه ركن باستسلام إلى السائد، وقبل باللون الأزرق منذ أن تطوّع ضمن زمرة من جنود الوطن، ليشارك في قوات هيئة الأمم المتحدة للسلام في هذا المكان النائي من أفريقيا، الذي ما كان يعرف بوجوده أصلاً، وترك أمّه المرأة العجوز الدافئة تتلعثم طويلاً باسم المكان الذي قصده إلى أن تهتدي إلى أقرب لفظ يشبهه عندما تتفاخر أمام الجارات والقريبات والصديقات بابنها حميد عضو قوات هيئة الأمم المتحدة للسلام.
جاء إلى هذا المكان بالطائرة التي ما فتىء يقرأ المعوذات ودعاء السفر ليتصدّى لرهبتها، ولينسى أنّه على ارتفاع خرافي، ومن دون قصد وجد نفسه طوال طريق السفر، وقد كان سفراً طويلاً، يردّد الآية الكريمة التي ودّعه بها الشيخ مرزوق مشجعاً إيّاه على ما هو مقبل عليه، ومذكّراً إياه بأنّ ما هو في صدده هو امتحان صعب من الله، للمرة الخمسين ردّد بتلعثم وقلق: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم، وأولئك هم المهتدون".
هو غير محافظ عن صلاته، لكن الإيمان يعمر قلبه، لذلك يعدّ نفسه في هذه اللحظات الحرجة بأن يلتزم بالصلاة لا سيما صلاة الفجر التي أوصته أمّه خيراً بها، وهو حافظ أمين لوصايا أمّه.
جاء إلى هذا المكان بعد أن اجتاز دورة تدريبية مكثّفة في اللغة وفي التعامل مع ضحايا الحرب، وللأمانة ما كان معنياً بحروب الآخرين، فحسبه تلك الحروب التي طحنت أمّته، وسرقت أجزاءً عزيزة منها، ولكن سياطاً من الخجل من النّفس ألهبتْ ذاته عندما وصل إلى ذلك المكان النائي، ليجد بقايا بشر وبقايا أماكن قد لاكتها الحرب، وأُعملتْ فيها آلة الخراب والدمار، كان يريد أن يحافظ على بذلته العسكرية الأنيقة، وإن كان زاهداً بقبعته الزرقاء، ولكنّه وجد كلّ ما جُبل عليه من شهامة ومروءة وما زرعه الجيش فيه من معاني البطولة والإثار، وما ورثه كابراً عن كابر عن أمته من شجاعة طائر الفنيق ينتفض تحت ركام الموت، ويستعدي نفسه وجهوده، ليكون في عون أولئك الضحايا الذين انقطعت بهم السبل، وأرهقهم الخوف والحاجة، تلقّى الكثير من كتب الشكر والتقدير من إدارة مجموعته تقديراً لبطولته ولتعاونه، ولكنّه ما كان ليبالي بها، بل كان يبالي باختبار الله له، وبأولئك الأطفال الشيوخ والنساء من المحاصرين المعرّضين في أيّ لحظة للإبادة العرقية.
ساعد طويلاً في زرع الأسلاك الشائكة واللافتات التحذيرية حول الأماكن التي تزخر بالألغام الأرضية، وما كان يظن أنّه سيجد نفسه في وسط إحدى تلك الحقول بمحض إرادته، للدقة بمحض إرادة القدر، فقد اندفع ذلك الطفل الإفريقي الصغير ذو الساقين النحيلتين والجسد العاري والابتسامة البيضاء خلف إوزة صغيرة داهمت حقل الألغام، وما كان يستطيع أن يراه فتاتاً وأشلاء تتناثر في المكان، على الرغم من أنّه كان يعلم تماماً ماذا يعني الدخول في حقل الألغام، إلا أنّ قوة قاهرة دفعته إلى اللحاق بالصغير وبإوزته في مهمة مستحيلة لإنقاذهما، لكنّ الموت كان أسرع، فقد وطأتْ الإوزة لغماً ثار بها وبالصغير، فتطايرا أشلاءً في لحظات في حين طغى دفء عجيب على إدراكه، واحتجبتْ الرؤية بعد أن حلّقتْ قبعته الزرقاء في البعيد، لأوّل مرة يشعر باكتراث بمصيرها، لم يعرف أين سقطتْ؛ لأنّ الوجود غادر في تلك اللحظات، وغار في ألم سكوني عجيب ملك عليه كلّ مداركه قبل أن يفقد الإحساس بألمه.
لم يعرف إن كان ذلك النفق المتعرج ذو الألوان البهيجة سوف يقوده إلى الحياة الآخرة، وقد كان يحفظ قصصاً مخيفة روتها له جدّته آمنة عن حياة البرزخ، وعلى عجلٍ راح يحصي تلك الصلوات التي ضيّعها، وشعر بندم كبير على ذلك، ولاح في ذهنه كلمات مسرور البقّال الذي كان يمازحه كثيراً قائلاً: "أتاك الموت يا تارك الصلاة".
كان يسمع أصوات مجهولة، وجلبة غريبة بلغة عربية نادراً، وبلغة أجنبية في غالب الأحيان، وما كان يفهم منها شيئاً، لكنّه ميّز من كلّ تلك الجلبة صوت خشبي أجشّ حفظه من طفولته، وهو صوت عصا والده يتكئ عليها منذ أن دلف في عقده الخمسين حتى توفي قبل بضع سنوات، وكاد يتمنّى لو أنّ والده ذا الجسد الصغير، والقدم العرجاء والملامح البدوية الحادة يدركه في هذا المكان، فهو يشعر بخوف كبير في هذا النفق المجهول الذي لا يدرك كنهه.
لكن أمنيته الوحيدة في هذا النفق لم تصدف غفلة القدر، وبقي محبوساً في نفق سرمدي عجيب، وظلّ صوت عصا والده تصكّ الأرض برتابة يستطيع أن يعدّ معها خطوات القابض عليها يطغى على كلّ الأصوات، تخلّى بلحظة شجاعة عن كلّ شجاعته، ورفع عقيرته بكلّ خضوع الأطفال طالباً مساعدة ولده، وساد صمت، ثم سمع صوت والده بكلّ ما فيه من حزم وحنو، يقول له: "يا حميد، عار عليك ما تفعل، تماسك، أنت بطل، لا تكن طفلاً، أتسمعني؟ عليك أن تتماسك".
ومن جديد ساد الصمت، وغاب صوت قرعات عصا والده، تلك العصا التي استخدمها بعد أن كبر، ووهن، وما عاد يستطيع أن يحفظ توازنه بوجود قدم أقصر من أختها، فقد خُلقتْ ضامرة، تجبره على عرجٍ بادٍ جعل صغار الحي يلقّبونه نكاية به بـ(أبو عرّاج)، وبقي هذا اللقب يطارده على كرهٍ منه، إلى أن تطوّع للذهاب مع الجيش العربي هو وصديقه حسّان في معارك الدفاع عن الأراضي الفلسطينية ضد العصابات الصهيونية، وقتها استنكر الكلّ أن يشارك أعرج في حرب خطيرة، وسرعان ما تحوّل الاستنكار إلى شفقة، وبزمن أسرع تحوّلتْ الشفقة إلى جليل احترام وعظيم إكبار، وعاد والده من الحرب بقدمٍ عرجاء مقدسة لم تعرف القهقرى أمام الصهاينة، ولم يعد معه صديقه حسّان الذي دُفن هناك بعد أن استشهد في ساحة المعركة.
من ذلك اليوم ما عاد والده يُلقب بـ(أبي عرّاج) بل غدا يلقب بالبطل، ويسير بكلّ فخر يجرّ قدمه القصيرة، ويزهو بعرجه الذي اختال على أجساد قتلى العدو، ويتلقّى برضىً ربتْ الأكف على كتفيه.
وغدا هو ابن البطل، لطالما شعر بامتنان جنوني لوالده الذي ورّثه لقباً كهذا اللقب يفخر به باستمرار، ويقتنص المناسبات ليشير إليه، ويعتزّ به، لا سيما أنّه الفقير خامل الذكر الصغير المستضعف الذي ما كان يملك غير مجد والده البطل.
من جديد سمع صوت والده يقول بنبرة أشد حزماً:
"عليك أن تتماسك
هيا.. استيقظ..
أتسمعني يا حميد؟!
عليك أن تستيقظ؟!"
ما كان حميد ليعصي أوامر والده، ولو كانت أوامره ليست إلاّ تهويمات شبح في نفق عجيب، استجمع حميد ضعفه، وفتح جفنيه بصعوبة، كان الأبيض أوّل ما لفح عينيه اللتين بحثتا بلهفة عن قبعته الزرقاء، وشعرتا بحزن إذ لم تكن موجودة، حسبه الأبيض يغرق المكان في رهبته الحزينة، يد الممرضة الإفريقية مسّدت بعطف على جبهته، سأل بضعف: "ماذا حدث للصبي الصغير ولإوزته؟" ردّت الممرضة برطنة لم يفهم منها شيئاً، وتابع رحلته بالبحث بعينيه عن قبعته الزرقاء في أنحاء الغرفة، ولكن لم يجدها.
وبعد مدّة توقف عن البحث عنها؛ لأنّه ما عاد في حاجة إليها، فقد غدا في حاجةٍ إلى عصا غليظة ليتكىء عليها؛ ليعود إلى وطنه بعد أن فقد قدمه اليسرى في الانفجار المريع الذي تعرّض له، ولكنّه كان يشعر بالفخر، بل بكلّ الفخر؛ لأنّ قدمه أُستشهدتْ في سبيل إنقاذ طفل وإوزته من لغم آثم، وأحسّ في ذاته بدبيب فخر، خمّن أنّه سوف يلازمه كلّ حياته؛ لأنّه كان يوماً من أصحاب القُبعات الزُرق.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  100
التعليقات ( 0 )

سحابة الكلمات الدلالية

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:16 مساءً الجمعة 17 أغسطس 2018.