• ×

02:14 مساءً , الإثنين 18 يونيو 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة المجاعة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
المجاعة
د. سناء شعلان
" يحدث كلّ شيء في زمن المجاعة"
استخدم لاستكمال تمثاله الصخري الشّعر الآدمي والأظافر البشرية وبقايا الملابس المهترئة الباقي الوحيد بعد الموت من أولئك الذين سقطوا في قبضة الموت بعد هذه المجاعة الشرسة، التي طرقتْ بيوت الفقراء والمعدمين، وعاثتْ تحطيماً في أجسادهم، وقعدتْ بهم دون الهرب أو الاستغاثة أو الثورة عليها، وأكلتْ من أجسادهم حتى بشمتْ، وظلّوا جائعين، بأجسادٍ ذات جلد تهدّل وتقضّب على عظام وهنة بعد أن ذاب دهنهم.
كان نحّاتاً موهوباً في زمن الضّنك والفقر، ولكنّه الآن ليس أكثر من حفّار قبور أو حانوتي قاتم يحترف تشيع الموتى، ويُتقن إهالة التراب على الأجساد التي اقتاتها الجوع، ويستثمر الباقي القليل مما لن يمانع الموتى بسلبهم إيّاه في إكمال تمثاله الصخري، الذي قدّه من الصخر منذ زمن، وأضنى ذهنه تفكيراً وتدبّراً في أيّ الأشكال سينحَتْ منه، فكرّ في أن ينحته على شكل جواد السلطان، لكنّه تراجع عن الفكرة، إذ إنّ السلطان يحبّ الخيل البريّة لا الصخرية، وفي مرة أخرى فكّر بأن ينحته على شكل حسناء ممشوقة القوام، لكنّ الحرمان الذي تحرّك في داخله أورثه غصّة خنقتْ أنامله، فمنعته من أن ينحته كما يحبّ، وآل قراره إلى أن ينحته على شكل طفل صغير يستجدي المارّة بدموع صخرية خلاّبة، وخمّن أنّه سيجني الكثير من المال من هذا التمثال الحزين؛ إذ إنّ الأغبياء يسعدون باقتناء فنون الحزن، ويكمّلون بها رفيع أثاثهم ونادر ممتلكاتهم، ولا عجب في ذلك، فالفقر بالمجّان، والفقراء هم من يبدعون الفنون، في حين إنّ الأغنياء هم من يستمتعون بها.
لكنّ المجاعة المفترسة جعلته يتراجع عن تمثاله الصبي المستجدي، وشغلته بالموت وبالموتى، فقد داهمتْ المجاعة المكان على غير غرّة، فقد كان من المتوقّع أن الأمور ستزاد سوءاً ما دام الوالي يضيق الخناق على المواطنين، ويرهقهم بالضرائب المضنية، ويشاركهم حتى في سعاداتهم وفي لحظات الجماع اللذيذة، في حين إنّ السلطان يمارس رياضاته المفضّلة مثل ركوب جواري الفتنة، ومطاردة الشُّهب في المجرّات البعيدة.
أمّا الشباب من الرعية فقد كانوا نذوراً وقرابين لحروب يعزّ أن تُحصى لكثرتها تشتعل في بلاد غريبة، ولأسباب لا تعني أمّهاتهم، ولا تستفزّ نخوتهم، وإن كانت أسباباً كافية لكي يحتكر التجّار والمرابون السلع والأغذية، ويقصرونها على أصحاب الدراهم الذهبية، ويبقى الهواء الموجود المجاني الوحيد ملاذاً للبطون الفارغة.
المجاعة كانتْ أقوى من أن تهزمها المدّخرات القليلة والمؤن القديمة والأعمال ذات الأجور المتدنية، والحدود الصحراوية التي تحنق البلاد أشرس من أن يقطعها الجياع فارين لائذين بالعدم مما هم فيه، لذا فقد استكان الجميع أمام الجوع، وتراجعوا أمام الحِرَاب ذات الأنصال اللامعة إثر تتبعّهم لروائح موائد الأغنياء والمترفين، فأحكم الجوع قبضته المهترئة على الجياع، ومحقهم دون رحمة أو نظرة عطف.
المشهد الرهيب هو من احتلّ قريحة النحّات، وأملى على طرقات إزميله الصغير أن ينحتَ تمثالاً كبيراً على شكل مشهد موت عجيب، إذ إنّ الموت عملاق أسود يلوك أجساداً غضّة، وتتنزّى من بين قبضيته أشلاءٌ وأعضاءٌ شبه مهروسة، وتحت قدميه تجثو غربان سمينة تلتهم بشهوة ما يسقط من بين يديه، ولكي يكون التمثال أكثر صدقاً واستحضاراً لهيئة الموت البغيضة فقد استعان النحّات الملهم بشعر بعض الموتى، وبأظافرهم وبملابسهم، وثبّتها بين يدي التمثال الموت، فكان التمثال حقيقة مجسّدة للموت الذي يصهر المستضعفين دون رحمة.
المجاعة والموت الرهيب وأنّات المنكودين لم تمنع المترفين من أن يستمتعوا بما تجود به قرائح الملهمين الجياع، وأيدي الفنّانين الفقراء، ديوان الثقافة أقام معرضاً تسجيلياً للمجاعة، شارك به الفنانون الجائعون من كلّ البلاد، وفي قلبه انتصب تمثال المجاعة الموت الذي حصد الكثير من الجوائز والصور والمقابلات التلفزيونية والصحفية.
اقتربت تلك الإعلاميّة الثريّة المترفة من النحّات، وسألته بفضول ضاربة صفحاً عن حذائه المهترئ الذي تتفلّت منه أصابع قميئة متسخة، وقالتْ له: "أأنت من صنعتَ هذا التمثال؟" ابتسم النّحات ابتسامةً كسيرة ساخرة، وقال لها بلا أدنى اهتمام: "بل أنتم!!!"





بواسطة : rasl_essaher
 0  0  83
التعليقات ( 0 )

سحابة الكلمات الدلالية

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:14 مساءً الإثنين 18 يونيو 2018.