• ×

05:28 صباحًا , الثلاثاء 21 أغسطس 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة الصّورة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د.سناء شعلان
توقّع حدوث أيّ طارئٍ معيق، وفي سبيل ذلك أخذ كلّ الاحتياطات في رحلته الطّويلة في الأرياف الشّماليّة، إلاّ أن يهاجمه ألم الأسنان من جديد، الذي اعتاد أن يداهمه في السنين الأخيرة دون سابق ،والذي اتّخذ في سبيل ردّ عدوانه الآثم،وفي سبيل وضع حدٍّ له آليّةً طويلةً من الحلول، ابتدأها بالعلاجات الطّويلة التّي أنفق فيها جُلّ ما ادّخره بصعوبةٍ دون أبحاثه على حشرات الفاكهة، ثمّ أنهاها بخلع بعض الأسنان والأضراس التّي أعيته ألماً وعلاجاً بعد أن آمن أنّ الخلع آخر العلاج، وبهذا التّرتيب الأخير أعدم الآلام التّي حاصرته طويلاً، ومنعته من متابعة أبحاثه زمناً طويلاً، وإن كان يسوؤه أن يرى وجهه الشّابّ الوسيم يفتّر عن ابتسامةٍ شبه شوهاء تفتقد الكثير من الأسنان والأضراس، لكنّ عزاء توقّف الألم، وتأجيل أمر زراعة أسنانٍ جديدة إلى حين تحسّن أحواله الماديّة، عقب انتهائه من أبحاثه التّي يعوّل الكثير على نتائجها خفّف من وطأة انزعاجه، وكان في اعتماده ابتسامةً ترتسم دون أن تكشف عن الأسنان تدبيراً مقبولاً لمشكلة أسنانه وأضراسه المفقودة.

سبق أن داهمته بعض النّوبات القصيرة من ألم الأسنان التّي لم تتجاوز دقائق معدودة، ولذلك لم يعرها أيّ اهتمام، ولكنّ النّوبة هذه المرّة جاءت طويلة ومتمطّية بوحشيّة، لا تفارقه ولو للحظةٍ، جاءت تماماً مع أوّل بارقة إشعاع لشمس الصّباح، جاءت دفعةً واحدةً قويّة، وكأنّها موجةٌ عاتيةٌ محبوسةٌ خلف سدٍّ تهاوى، شعر أنّ لطمةً ما صكّت وجهه المرهق إثر ليالٍ طويلةٍ من الدّراسة والبحث، ثمّ حلّ الألم، مارداً عظيماً، لا يرحم ولا يرحل، كان كلّ فكره المضطرب موزّعاً بين فكرتين لا ثالث لهما، الأولى وكانت الأضعف في اجتذابه، وهي أنّى للألم أن يعود ليغزو أضراسه وأسنانه السّليمة بعد رحلة علاجٍ طويلة ومريرة، أكّد طبيبه بعدها أنّ الألم قد رحل للأبد؟! والثّانية وكانت الأقوى في تملّكه؛ ذلك بفعل الألم الذّي أضنى جسده في أوّل لحظات هبوطه وهي البحث عن السّبيل المثلى والأقرب والأسرع لوضع حدٍّ لهذا الألم، ولو كان ذلك لفترةٍ محدودةٍ، حتّى يتسنّى له أن يضع حدّاً جديداً للألم الذّي يعتصر فكّيه.

جلس في سريره بعد جولةٍ سريعةٍ ومضطربةٍ في الكوخ الصّغير الذّي استأجره بمبلغٍ زهيد، كانت محصّلتها ازدياد الألم حتّى شتّى عظام جمجمته، وضعف حيلته، فلا أقراص مهدّئة معه أو في الكوخ، ولا سيّارة قريبة في المكان يمكنها أن تنقله إلى العاصمة ليتلقّى العلاج، ولا هاتف في كوخه أو في الجوار يمكّنه من الاتّصال لطلب المساعدة أو حتّى المشورة الطّبيّة.

فكّر في أن يطلب المساعدة من صاحب الكوخ الذّي يسكنه، لكنّه يقيم على بعد ثلاثة كيلومتراتٍ على أقلِّ تقدير، فلا أحد يرغب في السُّكنى فرداً وحيداً وسط بساتين الفواكه، إلاّ من كان هارباً من شيءٍ ما، أو جاء لأمرٍ ما في نفسه، كأن يكون مثلاً معنيّاً بدراسة حشرات الفاكهة عن قرب ومتابعة سلوكها عن كثب، لا سيّما أن المعهد الذّي يتبنّى دراسته قد وهبه منحةً ليست بالسّخيّة، ولكنّها تتوافق مع إمكاناته الماديّة المتواضعة، ومع حاجاته الأساسيّة لا غير.

بحسبةٍ سريعةٍ يائسةٍ قدّر أنّ رحلة العودة إلى العاصمة، وتكاليف العلاج ستستنزف دون شكٍّ مال المنحة، بل وستتجاوزها لتبتلع جُلَّ مدخّراته المتواضعة، شعر بقنوطٍ وتبرّمٍ من حظّه العاثر إلى درجةٍ زادت من وقع الألم على جسده، ومن جديد عاد إلى حمأة الألم والحيرة.

استقرّ رأيه بعد مشورةٍ من حارس البستان المجاور لكوخه على أن يذهب إلى طبيب الأسنان الوحيد الموجود في الرِّيف الشَّماليّ كلّه، كان وفق ملاحظات الحارس يسكن في الجوار، الذّي مقداره وللأسف أكثر من أربعة كيلومترات، عليه أن يقطعها سيراً على الأقدام أو على درّاجته الهوائيّة على أحسن تعديل، وبما أنّ يديه مشغولتان على التناوب بحمل كأس الماء ذي الملح المذاب، الذّي يستخدمه للمضمضة المتكرّرة لتخدير الأسنان، وللتّخفيف من الألم، بناءً على نصيحة الحارس، فقد كان من المتعذّر عليه أن يقود درّاجته، وعليه بالضّرورة بناءً على ذلك أن يقطع البساتين سيراً، تحت وطأة ألمه، وبيدين مشغولتين بحمل كأسٍ يتمضمض من مائه كلَّ بضع دقائق.

ابتسامة الطّبيب الأشيب المكتنز الأعضاء، البشوش المحيّا، خفّفت من وطأة ألمه، ومن مشقّة رحلته الطّويلة، وكانت أوّل ما قابل بعد انتهاء رحلته المعنّاة، كانت يده اليمنى بشكلٍ خاصٍّ متشنّجةً من حملها للكأس لمسافاتٍ طويلة، وضع الكأس الزّجاجيّ الذّي فرغ للتّوّ من مائه على أوّل طاولةٍ وجدها، واستلقى بتمطٍّ منهكٍ على كرسيِّ العلاج، حتّى دون أن يومئ له الطّبيب بذلك، فألمه أنساه كلّ استراتيجيّات الذّوق واللّطف، بل حتّى أنّه قد شغله عن متابعة حشرات الفاكهة التّي مرَّ بها في أثناء رحلته عبر الحقول والبساتين.

وبدأت رحلة العلاج بالإجراء الأوّل الذّي يفضّله وينتظره منذ ساعات، بالمخدّر والتّسكين، حقنه الطّبيب الذي أخذ ملاحظاتٍ سريعةً عن تاريخه المرضيِّ من خلال جملٍ قصيرةٍ ومتلاحقةٍ قالها ملخّصاً تاريخه المضني مع ألم الأسنان، وأنهاها بذكر اسم طبيبه، وأسماء الأدوية والمسكّنات التّي تواتر عليها أثناء علاجه السّابق وقبل السّابق، وبعد معاينةٍ متفحّصةٍ، راقب فيها عينَيّ الطّبيب الأشيب، المنزلقتين في تجويف فمه؛ بحثاً عن موطن الألم وسببه، استلّ الطّبيب حقنةً مخدّرٍ واثنتين وثلاث، وحقن لثّته بهنّ، وقليلاً قليلاً، بدأ الألم بالفتور، وأصبح من الممكن أن يتملّى في وجه طبيبه شبه المسن، الذّي أسند كفّي يديه على خاصرتيه، اللّتين تعلوان قدمين منفرجتين بثباتٍ على الأرض، وهو ينتظر أن يسري المسكّن في سائر لثّته كي يبدأ طقوس العلاج والحفر والتّرميم، كما أصبح من الممكن أن يدير نظرةً متفحّصةً في العيادة الصّغيرة، التّي تحتوي على القليل من الأدوات النّظيفة، والأثاث الرّيفيّ الأنيق الذّي لا يخفي ذوق صاحبه.

وجّه الطّبيب البشوش بضعة أسئلةٍ له، أجاب عنها باقتضابٍ وفتورٍ وتراخٍ، بعد أن بدأ المخدِّر رحلته بالتّسكين، شعر أنّ أطرافه تتراخى، وأن فمه قد تضخّم بمقدار عشرات المرّات، وشفته السُّفلى تراخت حدّ التّدلّي، كاد يرى شفته العليا المتضخّمة أسفل عينَيْه، وبات يُحسُّ كلّ أديم وجهه وشفتيه يمتدُّ لمسافة مترٍ أمامه على الأقل، وبدأ بريقٌ ما يلوح في عينَيْه، فيرى ومضاتٍ غريبةً تحول دون رؤية وجه طبيبه المحاصر بقناعٍ طبّيٍّ أبيض لا يسمح إلاّ برؤية عينَيْن شهلاوتين، وفي سحيق الوميض، يرى عينَيْها اللّتين تنزرعان في وجهها الملائكيِّ، المقيّد في داخل إطار صورةٍ فضيٍّ، مركونٍ باهتمامٍ على مكتب الطّبيب، سأل الطّبيب في سكرة المخدّر، "من تكون؟" أجاب الطّبيب بنبرةٍ آليّةٍ غير مبالية إلاّ بعمله وبجهازه الدّقيق الذّي يُعمله في إحدى الأضراس: "إنّها زوجتي . . ."

إذن . . . هي زوجته، ولكنّ عينَيْها هما العينان اللتان حلم بهما طوال عمره، لهما نفس الرّموش، ونفس الصّمت، ونفس النظرة النعسى،بل ونفس البريق الغارق في دموعٍ لا تفارق عميق نظراتها، يا لها من نظراتٍ!! تتسلّل إلى نفسه بين الألم وسكرة المخدّر، فتلهب أضلاعه، وترسل بريقاً يغرقه في وهج عينَيْها، يرى عمره الفائت مكسوراً على بوّابة عينَيْها اللّتين تحرّرتا من الإطار الفضّيّ، وحامتا في سماء الغرفة، كان يترنّح مخموراًً بشذاها الأنثويِّ الذّي خلقه في ذاته منذ أن تمنّاها، رأى الماضي والحاضر والمستقبل وكلّ أبحاثه غباراً منثوراً تحت وطأة قدمَيْها اللّتين اشتهى تقبيل أديمهما الورديِّ الرّقيق .

آهٍ كم انتظر وتمنّى هاتين العينَيْن دون كلِّ عيون نساء الدّنيا، رسمهما بتمعّن وقدسيّة من يرسم وجه ملاكٍ، ثمّ حفرهما بتأنٍ في ذاكرته، وأطعم نفسه والتّمنّي للنّسيان وللعمل الدّؤوب الذّي لا يعرف توقّفاً بعد أن يئس من أن يجدهما إثر مطالعةٍ طويلةٍ في كلِّ وجوه النّساء اللّواتي قابلهنّ في أصقاع عمره، وها قد أطلّتا من المستحيل، من بين الألم والنّشوى أطلّتا، وغرق في نومٍ طويلٍ .

عينا الطّبيب كانتا في انتظار استيقاظه، تمتم الطّبيب بكلماتٍ لم يفهمها، ولكنّه قدّر أنّها كلمات تشجيع لتخطِّي الألم، ثمّ سمعه يقول بنبرةٍ أبويّةٍ عطوفةٍ: "يبدو أنّ عيار المخدِّر قد كان قويّاً، لذا فقد رحتَ في نومٍ طويل".
هزَّ الرَّجل رأسه متفهّماً لما حدث له ، وبنظرةٍ عجلى بحث عن عينَيْها، فوجدهما مستقرّتين في دعةٍ في وجهٍ ملائكيٍّ ما زال مسجوناً في إطارٍ فضِّيٍّ، أبرقت العينان له ببريقٍ سماويٍّ خاطف، صعق جسده من جديد، وعاد إلى نومٍ لذيذٍ لم يعد فيه أيّ أثر للألم.

تردّد أكثر من مرّةٍ على عيادة الطّبيب بحجّة الاطمئنان على وضع أسنانه التّي غادرها الألم تماماً بعد أن فقد سنّاً أخرى في سبيل ذلك، جلس طويلاً إلى الطّبيب اللّطيف الذّي دعاه مرّةً تلو الأخرى لمشاركته شاي الظّهيرة، ووقع في نفسيهما استلطافٌ متبادل، وإن كان في جُلِّ أمره مشدوداً بعنفٍ إلى صورة امرأةٍ لا يعرف منها إلاّ عينَيْها، اللّتين كانت تقولان له بعشق: "انظر، أنا هنا، أنا حقيقة، أقبل؛ لأنّي موجودة".

في كلِّ مرةٍ وعد نفسه الزّائغة تحت وطأة الشّكِّ والخوف أن لا يعود إلى العيادة ، فكيف يمكن أن يكون أسير نظراتٍ متجمّدةً في إطار؟! أسير نظراتٍ رسمها في الخيال، فسعد عندما وجدها حقيقةً في مكانٍ ما في هذه الدّنيا، ولكنه وجدهما أخيراً . . . كانتا في انتظاره منذ دهر، أو كان في انتظارهما منذ دهر، لا يهمّ من كان منتظراً بالتّحديد، ولكن المهم أنّها موجودة في القريب منه، قريبة إلى حدِّ أنّه يمكنه أن يراها بمجرّد أن يقرّر أن يعرِّج على بيت الطّبيب لأيِّ حجَّةٍ يخترعها.

عندها يمكنه أن يقترب منها، وأن يراقب أديمها الفضّيّ الذّي يظهر أعلاه بازغاً من ثوبٍ لا يستر كتفَيْها العاجيّتَيْن، تماماً كما تبدو في صورتها، ليقول لها: "ها قد جئت . . ." ثمّ يغرق في وميض عينَيْها إلى الأبد . . . هو الآن يعشق امرأةً في صورة، ولكنّه لن يبقى أسير حبٍّ ضبابيٍّ، لن يسمح بأن تكون عينا من يعشق مصلوبتين في صورةٍ إلى الأبد، سيكون صاحب الكلمة الأولى، سيأخذ الخطوة التَّاريخيَّة، سيقول لعينَيْها: "كوني"، فتكونان، سيتحدّى الصّمت البارد، ويشعل فيهما نيران عشقه .

انتظر أن يدعوه الطّبيب إلى بيته، ولكنّ ذلك لم يكن، مع أنّه قد دعاه إلى كوخه المُتواضع أكثر من مرّةٍ على غداءٍ أو على عشاءٍ. حارس البستان همس له قائلاً بصوته المرتجف ذي الزّعيق المزعج: "إنّه رجلٌ غيور، البعض يقول إنّه يحبس زوجته الجميلة في بيته، ويمنعها من الخروج، ويمنع أيَّ أحدٍ من زيارتها".
- "أهي من بنات المنطقة؟"
- "لا . . . الطّبيب وهي كلاهما غريب، جاءا منذ زمنٍ بعيدٍ إلى الرِّيف، وأقاما دون أن نعرف عن تاريخهما شيئاً، الزّوجة يقال إنّها صغيرةٌ وشابّة وجميلة مع أنّي لم أرها أبداً، والزّوج طبيب لطيف يقدّم خدماتٍ أحياناً بالمجان لمن يطلبها من فقراء الرِّيف."
- "وماذا عنها؟ أعني عن الزَّوجة؟"
- "قلتُ لكَ يا سيِّدي إنّني لم أرها لم قبل . . ."

إذن صاحبة العينَيْن المتوهّجتَيْن ليست أسيرة إطارٍ ذهبيّ، بل أسيرة زوجٍ غيور، وبذلك أصبحت مهمّة مقابلتها أصعب، وتحتاج إلى المزيد من التّخطيط والحذر، فهو يريد أن ينزعها بهدوءٍ ودون أوجاعٍ أو مشاكل من دنياها، لتغدو زهرة حياته، فهو الوحيد الذّي وعدته أحلامه بعينَيْها الأسطوريّتَيْن ذاتي البريق السّاحر .

وجاءت اللّحظة سريعاً، فقد قرّر الزّوج أن يسافر إلى العاصمة في شؤونٍ يقضيها، كان يراقب سيّارة الأجرة وهي تبتعد به، من أعلى قمّة التّلّة المشجّرة رَمَق السّيّارة التّي تثير الغبار والأتربة وهي تختفي به، انزلق مهرولاً إلى بيتها الذّي يقع في سفح التّلّة، الأرض المنحدرة والزّلقة زادت من سرعة هرولته التّي غدت ركضاً سريعاً لا يسمع خلاله إلاّ وقع ضربات قدميه على الأرض، وصوت لهاثه، كانت مستديرةً نحو حضن الشّروق تشيّع بنظراتها زوجها الذّي غدا نقطةً في الأفق، انتبهت إليه مفزوعةً، أمسكَ يديها بحركةٍ نزقةٍ أخافتها، كانت كما تمنّاها تماماً، هادئةً كبحيرةٍ، بيضاء كنور الصّباح، شعرها الأسود معقوفٌ إلى الخلف، بعض الشّيب غزا برقّةٍ وسحرٍ ذؤابتيها، على فمها المستدير كما المتاهة ألف سؤال، أمّا عيناها فلهما البريق المستحيل الذّي عشقه.
قال لها باضطرابٍ شديد: "ها قد جئت . . . أنا أحبّكِ . . . هل تأتين معي؟"
- "مجنون"!!!
- "ولكنّني أحبّكِ . . ."
- "ابتعد عنِّي، لا بدَّ أنّكَ مجنون".

وانساحت في موجة بكاءٍ، وطردته مفزوعةً ممَا تسمع، أمضى يومه عارياً إلاّ من سروالٍ صغيرٍ في سريره، لا يصدِّق أنّه قد وجدها، وأنّها بعد كلِّ هذا العناء قد رفضته، بل وطردته، تابع لساعاتٍ طويلةٍ دوائر الدّخّان المتصاعد الذّي ينفثه من سجائره التّي تحترق بمثل احتراقه، فكّر بألف خطّةٍ وخطّة لخطفها، ثمّ انخرط في بكاءٍ مرير، ومن جديد بدأ ألم أسنانه، لكنّه كان مصمّماً هذه المرّة بالذّات على أن يهمله، أن يقهره، أن يفعل أيّ شيءٍ إلاّ أن يستجيب بذلٍّ لجبروته، أخذ جرعةً مضاعفةً من المسكٍّن الذّي استغنى عنه منذ زمن، وغاب في دنيا النّوم، وجاءت بابتسامةٍ ساحرةٍ، كان جسدها زلقاً بطريقةٍ مشهيّةٍ، انساحتْ في فراشه، كانت عاريةً كبجعةٍ مسحورة، في بحيرةٍ لازورديّةٍ محاطةٍ بالأحلام والبجعات المتوّجة، غرق وإيّاها هناك، قبّلت عنقه باشتهاء، فتبخّر ألم الأسنان إلى الأبد، تنفّس هواء فمها، وفي لحظاتٍ تحوّل ببريق عينَيْها إلى أمواجٍ ملوّنةٍ تداعب بحيرة صيفيّةٍ هادئةٍ، زرقة عينَيْها انساحت أنهاراً تحاصر جسده المنتشي، وغاب وإيّاها في دنيا من الأطياف الملوّنة، حيث تشظّيا ليغدوا رذاذاً سعيداً يطوِّق فراشه العتيق.

كان قرع الباب قويّاً، تنبّه وعيه عليه، ثمّ استيقظ تماماً عندما دفع أحدهم الباب بقدمه القويّة فكسره، في لحظة أحاط به وبفراشه وبجسده حشدٌ من رجال الشُّرطة بأزواج عيونٍ كثيرةٍ لم يستطع أن يعدّها، البعض وجَّه له فوّهات بنادق متحدّية، عينا الطّبيب هما العينان الوحيدتان اللّتان ميّزهما من بين العيون المتّهمة الحادّة كما عينَيْ صقر.
قال الزّوج بقسوة: "يا لكَ من مجرمٍ غادر!!"
قال ضابطٌ بحزم: "أنتَ متَّهمٌ بالخطف والاغتصاب والقتل . . ."

بذل جهداً عظيماً ليُحرِّك جفاف حلقه، ولينطق بكلمةٍ واحدة، لكنّه لم يستطع، فقد كان ذاهلاً وهو يتابع جثّتها العارية مذبوحة مضرّجة في دمائها، كان مرعوباً من فكرة وجوده عارياً مع جثّةٍ مذبوحة أكثر من فكرة أنّه متّهمٌ بالقتل, قال بصوتٍ مسلوبٍ يتناوب عليه الخوف والفتور: "ولكنّي لم أقتلها، أنا أحبّها . . . أنا لم أخطفها هي جاءت من تلقاء نفسها".
قال الزّوج بانفعال: "يا لكَ من عربيدٍ قذر . . .!!"
قال الرّجل: "أنا أحبّها . . . أنا لم أقتلها صدّقوني . . . يا ذات العينَيْن المتوهّجتَيْن، قولي لهم إنّني لم أقتلكِ . . . أنا أحبّكِ . . . قولي لهم إنّكِ جئتِ من تلقاء نفسك؛ِ لأنّكِ تعشقينني".
قال الزّوج مُثاراً كما ثور في حلبة: "يا لكَ من وغد!! أتريد أن تلطّخ شرفها، وتلحق العار بها حتّى بعد موتها؟!"
كرّر الرَّجل بعته: "ولكنّي لم أقتلها . . . أنا أحبّها، وهي تحبّني، قولي لهم إنّكِ تحبينني".
لكنّ الجثّة الهامدة المدرّجة في الدّماء لم تنبس ببنت شفة، كان يتابع الجنود بذهول ودهشة وهم يلفّونها بملاءة السّرير، ويدسّونها في السّيّارة العسكريّة .

هي دفنت في سفح القرية بين أشجار الفاكهة، وهو سجن حيناً، ثمّ أودع مستشفى المجانين حيناً آخر، ولكنّه لم يشتكِ أبداً من ألم أسنانه، فقد كان يزعم أنّ حبيبته ذات العينَيْن المتوهّجتَيْن قد شفتهما بقبلتها المشتهاة، أمّا الزّوج فقد اختفى للأبد، البعض زعم أنّه مات حزناً، آخرون قالوا إنّه هو من قتل زوجته الخائنة، كثيرٌ أكّدوا أنّه يعيش في قريةٍ بعيدة مع زوجةٍ جميلة، يحبسها في بيته ،ويمنعها من الخروج . . . لكنّ العاشق المجنون بقي يبحث عن حبيبته الجميلة، يرتع بين الوديان عارياً بشعرٍ أشعث وجلدٍ مزّقه البرد، يبحث عن امرأته الجميلة ذات العنَيْنَيْن المتوّهجتَيْن، صارخاً بقهر، لتردّد الوديان كلماته التّي تذهب سدىً دون مجيب: "ولكنِّي لم أقتلها، أنا أحبّها، أنا لم أغتصبها، هي أسلمتني نفسها طائعةً، أنا أحبّها . . . يا ذات العينَيْن الجميلتَيْن . . . ها قد جئت، أنا في انتظاركِ، هل تذهبين معي؟ . . . ها . . . أجيبي هل تذهبين معي؟ ها . . . قولي . . . هل تذهبين معي . . . عي . . . عي . . . ي . . ." .

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  119
التعليقات ( 0 )

سحابة الكلمات الدلالية

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:28 صباحًا الثلاثاء 21 أغسطس 2018.