• ×

12:38 مساءً , الأربعاء 12 ديسمبر 2018

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

نموذج مستعمرة : النوع قالب فيديو

قصة قصيرة البلّورة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
البلّورة
د. سناء شعلان

وجدوه منتحراً، وعلى شفتيه ابتسامة غريبة، وإلى جانبه قصاصةً كُتب عليها بخطٍّ واضحٍ ومنمّق: "إنّنا محبوسون دون أن ندري"، وإلى تحت عبارته المثيرة رُسم وجهٌ لرجلٍ ضاحك، ابتسامته العريضة تشقّ وجهه كاملاً، وتمتدّ إلى أذنيه الكبيرتَيْن. برم الشّرطيُّ شفتَيْه عجباً ممّا قرأ، ومدّ بالقصاصة إلى الضّابط المسؤول، الذّي قرأ القصاصة بصوتٍ مسموع، وقال وهو يطوي القصاصة نصف طيّةٍ هازئاً: "أتراه انتحر لأنّه عرف الحقيقة؟ أم احتجاجاً على عدم معرفته لها إلاّ متأخّراً؟"
قال الشّرطيّ المصوّر الذّي كان منهكاً بالتقاط صورٍ لهيئة المنتحر، ولمسرح الموت، ولعلّه مسرح الجريمة كما قد يتبيّن: "لكن ماذا يقصد بكلمة (محبوسون)؟"
أجاب الضّابط الذّي يبذل جهداً كبيراً لإشعال سيجارته من القدّاحة القديمة البالية الرّخيصة النّوع: "لا أعرف، عليكَ أن تسأله".أجاب الشّرطيُّ المصوّر ضاحكاً كمن يصوّر عروساً لا ميّت: "ولكنّه وضع حدَاً لحياته قبل أن يشرح لنا معنى عبارته"
أجاب الضّابط الذّي يتابع حلقات الدّخّان التّي ينفثها تباعاً من فمه: "ولهذا قد لا نعرف أبداً ماذا عنى بجملته العجيبة".
قال الشّرطيُّ بتحمّسٍ شبابيّ: "قد يكون منتحراً مجنوناً يا سيّدي، أو لعلّه انتحر في لحظة يأس، وقد يكون انتحاره مجرّد غطاءٍ لجريمةٍ مريبة . . ."
"كلّ شيءٍ جائز" أجاب الضّابط بلا مبالاة، وطفق يتفقّد كلّ الموجودات، ويتحرّى أيّ أدلّةٍ قد تفكّ سرّ المنتحر.

استمرّ البحث في قضيّة المنتحر أيّاماً معدودة، وكادت القضيّة تحفظ على أنّها قضيّة انتحار، في ضوء تقرير الطّبّ الشّرعيّ، وبناءً على تفتيش مسرح الجريمة، لولا ظهور عنصرٍ جديدٍ في القضيّة، فقد تقدّم صاحب المتجر الكبير الذّي كان المنتحر يعمل به بشكوى ضدّ المنتحر يتّهمه فيها باختلاس مبلغٍ كبيرٍ من المال، وبتبديده، ويطالب بالتّحقيق في القضيّة، وإيقاف أيّ حصرٍ لإرث المنتحر إلى حين البتّ بقضيّته، وردّ نقوده إليه. وبناءً على هذا التّحوّل الجديد في القضيّة أُستأنف التّحقيق من جديد، وأسندت إليه مهمّة التّحقيق في القضيّة، فلعلّ وراء لغز اختلاس المال تفسيراً لكلّ ما يجري لا سيَما قضيّة الانتحار إن لم تكن اغتيالاً مدبّراً ومدروساً.

بدأ الضابط المحقّق بحثه كالعادة انطلاقاً من السّجلّ المدنيّ والقضائيّ والوظيفيّ للمنتحر، وأحصى كلّ معلومةٍ عنه كبيرةٍ كانت أم صغيرةٍ ، فقد تكون معلومة صغيرة هي مفتاح لغزٍ كبير، كانت حياته عوان بين عاديّة واستثنائيّة، كان شابّاً في آخر الثّلاثينيّات مصاباً بعرجٍ قويّ ّفي قدمه اليمنى، الأوراق ذكرت أنّه عرجٌ خلقيّ وُلد به، لكنّ التّحرّيات أكّدت أنّه عرجٌ خرج به بعد قضاء فترةٍ في معتقل (ق.ك) في بلدٍ ما، قد يكون البلد الذّي لفظه، درس العلوم السّياسيّة ثمّ انقطع عنها بسبب مرضٍ ألمّ به، هذا ما ورد في الأوراق الرّسميّة، إلاّ أنّ التّحرّيات أكّدت أنّه درس الأدب الإنجليزيّ الذّي أحبّه دائماً، وانقطع عنه بسبب تهمةٍ سياسيّةٍ ظهرت على حين غرّة، واتّهم بها عقب مشاركته في مظاهرةٍ طلاّبيّةٍ وطنيّةٍ احتجاجاً على رفع سعر البسكويت ماركة (شاؤول) التّي يفضّلها.

كان رجلاً وحيداً يسكن بيته القديم الذّي ورثه عن خالته التّي ربّته منذ أن كان صغيراً، لم يستطع أن يعرف أيّ معلومةٍ عن عائلته سوى اسم أبيه وأمّه وعائلته، ومعلومة تذكر أنّه وحيد عائلته، وبخلاف ذلك لم يجد إلاّ معلوماتٍ حول تاريخ ميلاده، وتاريخ التحاقه بالجيش، وتاريخ اعتقاله، وتاريخ الإفراج عنه، ومكان إقامته.

أمّا ما حقّقته التّحرّيات الشّخصيّة عن المنتحر، فلم يفضل ما وجده من معلوماتٍ رسميّةٍ مدوّنةٍ عن المنتحر، فالكلّ من جيرانٍ ومعارف وزملاء في العمل ذكروا إنّه رجلُ مغلقٌ على نفسه، متقوقعٌ على ذاته، لا يُعرف له شرٌّ أو خير، وإن أكّد البعض أنّه كان من الذّين يدسّون بعض الصّدقات في أيدي المحتاجين والفقراء بصمتٍ وعجلة، قضيّة الصّدقات قادت التّحرّي إلى وجهة الحالة المادّيّة للمنتحر، كشفه الذّاتيّ كان يشير صراحةً إلى حياةٍ شبه معدمةٍ خلا بيتٍ قديم، ورصيدٍ متواضع في البنك يمكن ادّخاره عبر سنواتٍ طويلة من أجر عملٍ كالذّي يعمل به، إدارة البنك أكّدت عبر كشفٍ مفصّلٍ ومؤرّخٍ أنّ المنتحر كان قد سحب كلّ ادّخاراته المتواضعة قُبيل انتحاره بشهرين. وبذا ظهر لغزٌ جديد في القضيّة، فضلاً عن لغزَيْ الانتحار والأموال المختلسة من عمل المنتحر، فقد ظهر لغز أمواله المسحوبة من البنك والمجهولة المصير.

بدأ الضّابط بحثاً جديداً في بيت المنتحر بعد استصداره موافقة النّيابة العامّة على ذلك، لم يجد في منزل المنتحر خلا الرّتابة والمقتنيات الأساسيّة لحياةٍ عاديّة إلاّ مكتبةً كبيرةً تزخر بمئات الكتب القيّمة ذات الطّبعات الأصليّة فضلاً عن ألبوم صورٍ قد فُقدت كلّ صوره، وإن بقي التّعليق الكتابيّ المؤرّخ ما زال مخطوطاً بالخطّ الجميل نفسه ،وبشكل واضح تحت آثار الصّور المفقودة، وفي الدّرج الأعلى للمكتب وجد غطاء المسدّس الذّي انتحر المنتحر بواسطته، ودفتراً جلديّاً كبيراً، كُتب على صفحته الأولى بنفس الخطّ الجميل الذّي وُجد في قصاصة الانتحار "هذا ليس دفتر مذكّرات بل سِفْر إدانةٍ للسّجن الكبير".

"يبدو أنّ السّجن قضيّةٌ ملحّة على ذهن المنتحر" قال الضّابط هامساً لنفسه، استلّ سيجارةً من علبة سجائره، وبذل جهداً لإشعالها من قدّاحته القديمة، أخذ نفساً عميقاً، ثم جلس في المقعد الخشبيّ وراء المكتب، وطفق يقلّب صفحات الدّفتر الكبير. كلّ مجموعةٍ من الصّفحات عنونت بعنوانٍ منفصل، كانت العناوين مكتوبةً بخطٍّ واضح، قلبها الواحد تلو الأخر، ثمّ توقّف من جديد؛ ليغرز عقب سيجارته في المنفضة النّحاسيّة الموجودة على المكتب، وليشعل من جديد سيجارةً جديدة، أخذ نفساً بكراً منها، عاد وقلّب العناوين بحركةٍ سريعة دون أن يقرأها مرّةً ثانية، كانت عناوين غريبة، بدأت بعنوان "البلّورة" وتوسّطت بعنوان "كنتُ وحدي بين أوهامي وأطياف المنى ،والتقينا فبدا لي من أنا وأين أنا" وانتهت بعنوان "والآن أعود وحدي لكن بدون أوهامٍ وأطياف"، وفي عقب آخر صفحة كُتبت جملة:" ملاحظة :هناك أوهامٌ وأطياف".

فضوله الشّخصيّ والوظيفيّ أمليا عليه أن يقرأ ما كُتب بين دفّتَيْ الكتاب، قرّب الكرسيّ أكثر من الطّاولة، واتّخذ جِلسةً مناسبةً، وبدأ يقرأ ، ويقرأ ، ويقرأ ، وما انقطع يقرأ، إلى أن أنهى القراءة، كان ذلك بعد نهارٍ وليلة، أعضاؤه كانت قد تيبّست تماماً، وحواسّه استُفزّت حدّ الجنون، وملامحه فترت بمقدار جمود ميت، قلب الصّفحة الأخيرة، أغلق الكتاب، وأشعل سيجارةً أخيرة وجدها في علبة سجائره، أخذ نفساً عميقاً، وانزلق في الكرسيّ، لم يتابع كعادته حلقات الدّخّان التّي يصنعها بنفاث سجائره؛ لأنّ دمعةً سخينةً كانت قد شوّشت نظره، وحجبت الغرفة عنه للحظات .

مدّ كفّاً كبيرة، ومسح الدّمعات الفارة بلا إذن، من جديد تناول ألبوم الصّور الموتور بصوره، قلّبه الصّفحة تلو الأخرى، قرأ كلّ ملاحظةٍ تعريفيّةٍ مكتوبةٍ تحت كلّ صورةٍ منزوعة، عرف اسم كلّ شخصٍ ورد ذكره في الملاحظات التّعريفيّة، تمثّلهم جميعاً صوراً ووجوهاً وقاماتٍ وضحكات ومواقف، فقد قرأ في الدّفتر عالم صاحبه كاملاً، تخيّل الصّور المفترضة التّي كانت فوق الملاحظات التّعريفيّة، وسمع صوت تمزيقها وإعدامها على يدَيْ المنتحر الذّي غادر العالم بعد أن غادره.

ورأى المنتحر كذلك، روحه سكنت جسده، كان ولا شكّ ربّ الكلمة، كلماته الجميلة السّاحرة نقلت روحه إلى جسده، أحسّ بالمنتحر يسكن أعضاءه، تحسّس وجهه وشعر أنّ قسماتٍ جديدةٍ قد افترشته، سارع إلى المرآة المعلّقة خلف باب الغرفة، وطالع وجهه فيها، زفر بارتياحٍ عندما رأى وجهه بقسماته التّي ألفها، وإن رأى في عينَيْه الذّابلتَيْن من سهرٍ وعناءٍ طويل نظرة المنتحر، لقد عاش المنتحرطويلاً، بالتّحديد عاش حياةً قصيرةً، ومعاناةً طويلة، في السّجن أحسّ أنّ وطنه مسجونٌ خارج الأسوار، وعندما خرج غدا ووطنه مسجونَيْن في معتقلٍ كبير اسمه وطن.

حُرم من كلّ شيء، بدايةً حُرم من حنانٍ اسمه أبّ وأمّ، في ما بعد حُرم من حنان التّي أحبّها بقدر حبِّ الأصداف للبحر، ابتعد عن بحرها، ولكنّه بقي ما بقي يحمل في داخل صدفته صوت هديرها، ورائحة ملوحتها، وصورة هائج أمواجها، في ما بعد سُجن؛ لأنّه قال:" لا للحرمان". كان غريباً في وطنه، وعدوّاً في سجن وطنه، ُضرب حتّى نسي اسمه، وما نسي قضيّته، وخرج يجرّ الخذلان وقدماً عرجاء شبه مشلولةٍ محتجّةٍ بصمتٍ على العذاب الذّي أوقع في حقّها، وبدأت معاناته مع البلّورة، ضابط المخابرات الذّي حقّق معه، وبمعنىً أدقّ الذي أشرف على تعذيبه أخبره أنّه سيكون أسير بلّورته التّي سيتابعه عبرها دون توقّف، عندها هزأ منه، ومن ادّعاءاته، لكنّه عرف في ما بعد أنّه يملك بحقّ بلّورة سحريّة تراقب حركاته، وتنقل كلّ خلجاته، بل وتعدّ أنفاسه، وتحصي وجيب قلبه، لم تكن بلّورة زجاجيّة كتلك التّي يستعملها سحرة القصص الخرافيّة، ولكنّها كانت بلّورةً كهربائيّة، مدجّجةً بالمراقبين، والمتجسّسين ومربوطة بأحدث وسائل وأفراد المتابعة.

وأصبح سجين البلّورة، كان يعرف أنّ كلّ كلمةٍ يقولها تُنقل إليهم، وما كان يبالي بذلك، ولكنّه آل على نفسه أن يُصعّب عليهم مهمة مراقبته، كان يقضي أوقات فراغه في التّسكّع هنا وهناك، إلى أن ضاق ذرعاً بنفسه وبالبلّورة، فاتّخذ نظاماً مغلقاً لا يتخطّاه أبداً يريحه ويريح صاحب البلّورة، في النّهار يكون أسير عمله خلف صندوق المحاسبة، بعد ذلك يتناول الغذاء في مطعمٍ لا يغيّره، يتناول الوجبة نفسها على الطّاولة نفسها، ثمّ يذهب إلى مكتبة الجامعة التّي تقع قريباّ من بيته، يجلس على الكرسيّ نفسه، ولساعاتٍ ستٍّ فقط، يقرأ نفس الكتاب، وبالتّحديد نفس الصّفحة، ثمّ يقفل راجعاً إلى بيته بعد أن يشتري طعام العشاء، يأخذ حمّاماً ساخناً وقد يكون بارداً، يكتب مذكّراته، يمضي ساعةً خارج زمن البلّورة ،ثمّ يخلد للنّوم، وهكذا دواليك. لم يخرق برنامجه المغلق ولو ليومٍ واحدٍ باستثناء يوم انتحاره الذّي كتب مذكّراته بلونٍ أحمر، وأكّد فيه أنّ الرّاحة والخلاص من الحياة ومن رقابة البلّورة آتيان لا محالة.

إذن فلغز المنتحر بات ظاهراً، فلقد انتحر احتجاجاً على سلطة البّلورة، كان المفتاح الموجود بين الصّفحة الأخيرة وما قبل الأخيرة هو كلّ ما بقي بعد المنتحر، حدّق طويلاً فيه، قلبه مرّاتٍ عديدة، كان متأكّداً من أنّ سرّ السّاعة الوحيدة الخارجة عن زمن البرنامج المغلقة حلّها في المفتاح، جرّبه على كلّ أبواب البيت، وعلى كلّ أبواب خزائنه، لكنّ أيّاً منها لم يكن المفتاح له، توقّف عند خزانة المنتحر الشّخصيّة، فتح بابها الأوسط، أزاح الملابس المعلّقة فيها، كانت روح المنتحر لا روحه هي التّي تسكنه، وتملي عليه فكرة الهروب، وفلسفة التّخفّي، وجد في خلفيّة الخزانة باباً خشبيّاً من الواضح أنّه قد صنع بمهارة، دسّ المفتاح في عين قفله، وأدراه، فانفتح الباب بأزيزٍ كبير، استجمع فضوله الذّي ذهب أشتاتاً في مهبّ الحيرة، وألقى نظرةً إلى ما وراء الباب، كانت غرفةً كبيرةً مطليّة بالأبيض، وليس فيها إلاّ مقعدٌ خشبيٌّ يتوسّطها وقد كُتب على الحائط بخطّ المنتحر:
"بنيتُ فردوسي وزخرفته
حتّى إذا ما تمّ ضيـّعته
أجريتُ في أنهاره كوثراً
فذاقه النّاس وما ذقـتُه"

جلس المحقّق على الكرسيّ، وشرد في عالمٍ من الحرّيّة، وهو يردّد الأشعار المكتوبة على الحائط تمنّى في داخله أن لا تكون البلّورة قد اكتشفت أيضاً هذا المكان، وبسرّه دون أن يعي ما يقول ،تمنّى أن تنزل النّوازل بالبلّورة، فتح علبة سجائره ليتناول سيجارة، لكنّها كانت فارغة، تأفّف وَفْقَ عادته، وأخذ نفساً عميقاً، وقال كمن يكلّم نفسه: "إذن على بناء هذه الغرفة أنفق صديقي المنتحر كلّ مدّخراته، يا له من شقيّ!!! أراد أن يملك ولو مكاناً واحداً على هامش الحريّة . . ."
حوقل طويلاً، ووجد نفسه يفكّر في إن كان قادراً على أن يملك ولو مكاناً واحداً على هامش الحرّيّة".

في اليوم التّالي كان قد قدّم تقريره النّهائيّ الذّي أُرفق باعتراف أحد زملاء المنتحر في العمل باختلاسه النقود المنسوب سرقتها إلى المتوفّي، وفي طيّه اتّهامٌ صريح للبلّورة بدفع مواطنٍ شريف للانتحار بعد ممارسة أبشع وسائل القمع والتّجسّس عليه. لم يُناقش تقريره أبداً كما كان يتوقّع، بل أُشيّر عليه بعبارة سرّي للغاية.

في المساء تسلّم قرار نقله إلى دائرةٍ عسكريّةٍ أخرى في أقصى بقاع البلاد، مذيلة بختم البلورة، قرأ قرار نقله مراراً، طواه أكثر من طيّة، ثمّ نثره مزقاً في الهواء الذّي كان يداعب حلقات دخّانه الذّي ينفثه بشهوة.

فكّر طويلاً في الغرفة السّريّة البيضاء، اجتاحته رغبةٌ للجلوس فيها، على عجل حزم نفسه، وتوجّه إليها، عندما دخل إلى الشّقّة وجد كلّ شيءٍ كما تركه إلاّ الباب السّرّيّ فقد كان قد اختفى للأبد، وحلّ مكانه حائطٌ صلد يبدو أنّه عتيق، ابتسم ابتسامةً اتّسعت لتصبح قهقهةً هستيريّة دامية، أخذ نفساً عميقاً من سيجارته، وقال زاعقاً: "إذن فقد وصلت البلّورة إلى غرفة الحرّيّة ، اللّعنة، لذلك انتحر صديقي المسكين ."

في الصّباح وُجد الضّابط منتحراً في غرفة نوم صديقه المنتحر، وابتسامة غريبة على شفتَيْه، وليس إلى جانبه قصاصة كُتب عليها بخطٍّ واضح ومنمّق: "إنّنا مسجونون دون أن ندري"؛ لأنّ هذه العبارة كانت مكتوبةً على قصاصةٍ عند رأس منتحر على مستوى رفيع من الأهميّة، قيل إنّه صاحب بلّورةٍ سحريّةٍ تتجسّس على النّاس، وأنّه اكتشف بمحض الصّدفة أنّه أيضاً مسجونٌ مع المسجونين الذّين يطاردهم ببلّورته، مع فارقٍ بسيط أنّهم مسجونون داخل البلّورة، وهو خارجها، لذا فقد انتحر تمرّداً على السّجن أيّاً كان ، وترك بلّورته لشخصٍ لا يعرف عن لعنتها، إلى أن يعرف.

بواسطة : rasl_essaher
 0  0  266
التعليقات ( 0 )

سحابة الكلمات الدلالية

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:38 مساءً الأربعاء 12 ديسمبر 2018.