۩ ۞ ۩ مجلس القرآن الكريم وعلومه ۩ ۞ ۩ آداب تلاوة القرآن الكريم - تحفيظ القرآن الكريم - تجويد - تسميع


عدد مرات النقر : 21,490
عدد  مرات الظهور : 35,317,224

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-08-2004, 01:21 PM   #1


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي ملة إبراهيم عليه السلام


يقول تعالى عن ملة إبراهيم: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) [سورة البقرة: 130].

ويقول أيضاً مخاطباً نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) [سورة النحل: 123].

بهذه النصاعة، وبهذا الوضوح بين الله تعالى لنا المنهاج والطريق... فالطريق الصحيح والمنهاج القويم.. هو ملة إبراهيم... لا غموض في ذلك ولا التباس، ومن يرغب عن هذه الطريق بحجة مصلحة الدعوة أو أن سلوكها يجر فتناً وويلات على المسلمين، أو غير ذلك من المزاعم الجوفاء.. التي يلقيها الشيطان في نفوس ضعفاء الإيمان - فهو سفيه، مغرور يظن نفسه أعلم بأسلوب الدعوة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي زكاه الله فقال: ( ولقد آتينا إبراهيم رشده ) [الأنبياء: 51]، وقال: ( ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) [البقرة: 130]، وزكى دعوته لنا وأمر خاتم الأنبياء والمرسلين باتباعها، وجعل السفاهة وصفاً لكل من رغب عن طريقه ومنهجه. وملة إبراهيم هي:


إخلاص العبادة لله وحده، بكل ما تحويه كلمة العبادة من معان(1).

والبراءة من الشرك وأهله.

يقول الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه.

الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله"اهـ.

وهذا هو التوحيد الذي دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. وهو معنى لا إله إلا الله. إخلاص وتوحيد وإفراد لله عز وجل في العبادة والولاء لدينه ولأوليائه، وكفر وبراءة من كل معبود سواه ومعاداة أعدائه..

فهو توحيد اعتقادي وعملي في آن واحد.. فسورة الإخلاص دليل على الاعتقادي منه وسورة الكافرون دليل على العملي، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يكثر من القراءة بهاتين السورتين ويداوم عليهما في سنة الفجر وغيرها.. لأهميتهما البالغة.

تنبيه لا بد منه: وقد يظن ظان أن ملة إبراهيم هذه تتحقق في زماننا هذا بدراسة التوحيد، ومعرفة أقسامه وأنواعه الثلاثة معرفة نظرية وحسب.. مع السكوت عن أهل الباطل وعدم إعلان وإظهار البراءة من باطلهم.

فلمثل هؤلاء نقول: لو أن ملة إبراهيم كانت هكذا لما ألقاه قومه من أجلها في النار، بل ربما لو أنه داهنهم وسكت عن بعض باطلهم ولم يسفه آلهتهم ولا أعلن العداوة لهم واكتفى بتوحيد نظري يتدارسه مع أتباعه تدارساً لا يخرج إلى الواقع العملي متمثلاً بالولاء والبراء والحب والبغض والمعاداة والهجران في الله. ربما لو أنه فعل ذلك لفتحوا له جميع الأبواب، بل ربما أسسوا له مدارس ومعاهد كما في زماننا يدرس فيها هذا التوحيد النظري.. ولربما وضعوا عليها لافتات ضخمة وسموها: مدرسة أو معهد التوحيد، وكلية الدعوة وأصول الدين.. وما إلى ذلك.. فهذا كله لا يضرهم، ولا يؤثر فيهم ما دام لا يخرج إلى الواقع والتطبيق.. ولو خرجت لهم هذه الجامعات والمدارس والكليات آلاف الأطروحات ورسائل الماجستير والدكتوراه في الإخلاص والتوحيد والدعوة.. لما أنكروا ذلك عليها، بل لباركوها ومنحوا أصحابها جوائز وشهادات وألقاباً ضخمة، ما دامت لا تتعرض لباطلهم وحالهم وواقعهم وما دامت على ذلك الحال الممسوخ.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في الدرر السنية: "لا يُتصور أن -أحداً- يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به" أهـ. جزء الجهاد ص167.

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنه سكت في بادىء الأمر عن تسفيه أحلام قريش والتعرض لآلهتهم وعيبها ولو أنه "حاشاه" كتم الآيات التي فيها تسفيه لمعبوداتهم كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.. والآيات التي تتعرض لأبي لهب والوليد وغيرهما.. وكذا آيات البراءة منهم ومن دينهم ومعبوداتهم -وما أكثرها كسورة (الكافرون) وغيرها.. لو فعل ذلك.. وحاشاه من ذلك.. لجالسوه ولأكرموه وقرّبوه.. ولما وضعوا على رأسه سلى الجزور وهو ساجد، ولما حصل له ما حصل من أذاهم مما هو مبسوط ومذكور في الثابت من السيرة.. ولما احتاج إلى هجرة وتعب ونصب وعناء.. ولجلس هو وأصحابه في ديارهم وأوطانهم آمنين.. فقضية موالاة دين الله وأهله ومعاداة الباطل وأهله فُرضت على المسلمين في فجر دعوتهم قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومن أجلها لا لغيرها حصل العذاب والأذى والابتلاء.

يقول الشيخ حمد بن عتيق في رسالة له في الدرر السنية: "فليتأمل العاقل وليبحث الناصح لنفسه عن السبب الحامل لقريش على إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة وهي أشرف البقاع، فإن المعلوم أنهم ما أخرجوهم إلا بعدما صرحوا لهم بعيب دينهم وضلال آبائهم، فأرادوا منه صلى الله عليه وسلم الكف عن ذلك وتوعدوه وأصحابه بالإخراج، وشكا إليه أصحابه شدة أذى المشركين لهم، فأمرهم بالصبر والتأسي بمن كان قبلهم ممن أوذي، ولم يقل لهم اتركوا عيب دين المشركين وتسفيه أحلامهم، فاختار الخروج بأصحابه ومفارقة الأوطان مع أنها أشرف بقعة على وجه الأرض ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) أهـ. من جزء الجهاد ص199.

وهكذا فإن الطواغيت في كل زمان ومكان لا يظهرون الرضا عن الإسلام أو يهادنونه ويقيمون له المؤتمرات وينشرونه في الكتب والمجلات ويؤسسون له المعاهد والجامعات إلا إذا كان ديناً أعور أعرج مقصوص الجناحين بعيداً عن واقعهم وعن موالاة المؤمنين والبراءة من أعداء الدين وإظهار العداوة لهم ولمعبوداتهم ومناهجهم الباطلة.

وإننا لنشاهد هذا واضحاً في الدولة المسماة "********" فإنها تغر الناس بتشجيعها للتوحيد وكتب التوحيد، وبسماحها بل وحثها للعلماء على محاربة القبور والصوفية وشرك التمائم والتوله والأشجار والأحجار.. وغير ذلك مما لا تخشاه ولا يضرها أو يؤثر في سياساتها الخارجية والداخلية.. وما دام هذا التوحيد المجزأ الناقص بعيداً عن السلاطين وعروشهم الكافرة فإنه يتلقى منهم الدعم والمساندة والتشجيع... وإلا فأين كتابات جهيمان وأمثاله رحمه الله تعالى التي تمتلىء وتزخر بالتوحيد؟ لماذا لم تدعمها الحكومة وتشجعها؟؟ رغم أنه لم يكن يكفرها في تلك الكتابات.. أم أنه توحيد يخالف أمزجة (الطغاة) وأهواءهم ويتكلم بالسياسة ويتعرض للولاء والبراء والبيعة والإمارة. وراجع كلامه في مختصر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ص108 إلى 110 من الرسائل السبع، فقد وجدته متبصراً في هذه القضية رحمه الله تعالى.

يقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك: "إن كثيراً من الناس قد يظن أنه إذا قدر على أن يتلفظ بالشهادتين وأن يصلي الصلوات الخمس، ولا يرد عن المسجد فقد أظهر دينه وإن كان مع ذلك بين المشركين أو في أماكن المرتدين، وقد غلطوا في ذلك أقبح الغلط.

واعلم أن الكفر له أنواع وأقسام بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهراً لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه.." أهـ.

ويقول أيضاً في الدرر السنية: "وإظهار الدين: تكفيرهم وعيب دينهم والطعن عليهم والبراءة منهم والتحفظ من موادتهم والركون إليهم واعتزالهم، وليس فعل الصلوات فقط إظهاراً للدين" أهـ. من جزء الجهاد ص196.


التعديل الأخير تم بواسطة محمد ; 23-02-2005 الساعة 03:27 AM
أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
رسالة لكل زوار منتديات العبير

عزيزي الزائر أتمنى انك استفدت من الموضوع و لكن من اجل منتدى ارقي و ارقي برجاء عدم نقل الموضوع و يمكنك التسجيل معنا و المشاركة معنا و النقاش في كافه المواضيع الجاده اذا رغبت في ذلك فانا لا ادعوك للتسجيل بل ادعوك للإبداع معنا . للتسجيل اضغظ هنا .

قديم 04-08-2004, 01:23 PM   #2


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان ص76، 77:-

إظهار هذا الدين تصريح لهم بالكفر إذْْ هم معشر كفار

وعداوة تبدو وبغض ظاهر يا للعقول أما لكم أفكار

هذا وليس القلب كاف بغضه والحب منه وما هو المعيار

لكنما المعيار أن تأتي به جهراً وتصريحاً لهم وجهار


ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في جزء الجهاد من الدرر السنية ص141: "ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم من يتعبد أو يدرس دعوى باطلة، فزعمه مردود عقلاً وشرعاً، وليََهْْنََ من كان في بلاد النصارى والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل، لأن الصلاة والآذان والتدريس موجود في بلدانهم.." أهـ.

ورحم الله من قال:

يظنون أن الدين لبيك في الفلا وفعل صلاة والسكوت عن الملا

وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا وما الدين إلا الحب والبغض والولا



كذاك البرا من كل غاوٍ وآثمِ

ويقول أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى: "إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا في ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين، والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان" أه من الدرر السنية - جزء الجهاد ص238.

تنبيه ثان: وفي مقابل هذه البراءة من الشرك وأهله.. هناك أيضاً: (موالاة دين الله وأوليائه ونصرتهم ومؤازرتهم والنصح لهم وإبداء ذلك وإظهاره) حتى تتآلف القلوب وتتراص الصفوف، ومهما عنّفنا إخواننا الموحدين المنحرفين عن جادة الصواب ومهما شدّدنا في النصح لهم ونقد طرائقهم المخالفة لطريق الأنبياء.. فالمسلم للمسلم كما يقول شيخ الإسلام كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وربما احتاج إزالة الوسخ أحياناً إلى شيء من الشدة التي تُحمد عاقبتها، لأن المقصود من ورائها الإبقاء على سلامة اليدين ونظافتهما.. ولا نستجيز بحال من الأحوال التبرؤ منهم بالكلية، لأن للمسلم على أخيه حق الموالاة التي لا تنقطع إلا بالردة والخروج من دائرة الإسلام.. وقد عظّم الله سبحانه من شأن هذا الحق فقال: ( إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) [الأنفال: 73]. والمسلم المنحرف إنما يتبرأ من باطله أو بدعته وانحرافه مع بقاء أصل الموالاة.. ألم تر أن أحكام قتال البغاة وأمثالهم.. تختلف مثلاً عن أحكام قتال المرتدين... ولا نقر أعين الطغاة ونفرحهم بعكس ذلك أبداً، كما يفعل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ممن اختل لديهم ميزان الولاء والبراء في هذا الزمان، فبالغوا في البراءة والشماتة من مخالفيهم الموحدين والتحذير منهم بل ومن كثير من الحق الذي عندهم وربما على صفحات الجرائد النتنة المعادية للإسلام والمسلمين ناهيك عن إغراء السفهاء والحكام بهم وبدعواتهم.. حتى ليُشارك كثير من هؤلاء الدعاة أولئك الحكام بالقضاء عليهم وعلى دعواتهم بإلصاق التهم الباطلة بهم أو ترقيع الفتاوى للطواغيت لقمعهم، كأن يقولوا عنهم: بغاة أو خوارج أو أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، إلى غير ذلك.. وأعرف كثيراً ممن يفرح بوقوع من يخالفهم من المسلمين بأيدي الطغاة، ويقولون: (يستاهل) أو (زين يسوون فيه) إلى غير ذلك من الكلمات التي ربما تهوي بأحدهم في جهنم سبعين خريفاً من حيث لا يدري وهو لا يُلقي لها بالاً.

واعلم أن من أخص خصائص ملة إبراهيم ومن أهم مهماتها التي نرى غالبية دعاة زماننا مقصرين فيها تقصيراً عظيماً بل أكثرهم هجرها وأماتها:-

إظهار البراءة من المشركين ومعبوداتهم الباطلة.

وإعلان الكفر بهم وبآلهتهم ومناهجهم وقوانينهم وشرائعهم الشركية.

وإبداء العداوة والبغضاء لهم ولأوضاعهم ولأحوالهم الكفرية حتى يرجعوا إلى الله، ويتركوا ذلك كله ويبرأوا منه ويكفروا به.

قال تعالى: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده ) [الممتحنة: 4].

يقول العلامة ابن القيم: لما نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال" أهـ. من بدائع الفوائد (3/69).

ويقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى: "فقوله: ( وبدا ) أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بيّنتين. واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين" أهـ. "من سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك".

ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: "ولا يكفي بغضهم بالقلب، بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء - وذكر آية الممتحنة السابقة ثم قال- فانظر إلى هذا البيان الذي ليس بعده بيان، حيث قال: ( بدا بيننا ) أي ظهر، هذا هو إظهار الدين فلا بد من التصريح بالعداوة وتكفيرهم جهاراً والمفارقة بالبدن، ومعنى العداوة أن تكون في عََدْْوَة والضدّ في عََْدْوَة أخرى كما أن أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان والبدن، وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر، وإنما النزاع في إظهار العداوة..." أهـ. من الدرر ص141 جزء الجهاد.

ويقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (صاحب كتاب فتح المجيد) حول آية الممتحنة السابقة: "فمن تدبر هذه الآيات عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم من الجهلة المغرورين الأخسرين قال شيخنا الإمام رحمه الله -يعني جده محمد بن عبد الوهاب- في سياق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً إلى التوحيد وما جرى منهم عند ذكر آلهتهم بأنهم لا ينفعون ولا يضرون أنهم جعلوا ذلك شتماً، " فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين(2) والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى: ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله... ) [المجادلة: 22] الآية، فإذا فهمت هذا فهماً جيداً عرفت أن كثيراً ممن يدعي الدين لا يعرفه، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والهجرة إلى الحبشة مع أنه أرحم الناس ولو وجد لهم رخصة أرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) [العنكبوت: 10] فإذا كانت هذه الآية فيمن وافق بلسانه فكيف بغير ذلك"؛ يعني من وافقهم بالقول والفعل بلا أذى فظاهرهم وأعانهم وذب عنهم وعن من وافقهم وأنكر على من خالفهم كما هو الواقع" -الدرر- جزء الجهاد ص93 وأنا أقول لهم: لله درك كأنك تتكلم في زماننا...

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف في الدرر السنية: اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله(3)، وموالاة أولياء الله ورسوله قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ) [التوبة: 23] أهـ. من جزء الجهاد ص208.

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:23 PM   #3


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


وهذا هو دين جميع المرسلين.. وهذه هي دعوتهم وطريقتهم كما تدل عليه عموم آيات القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم .. وكذلك قوله تعالى في آية الممتحنة هذه (والذين معه ) أي المرسلين الذين على دينه وملته.. قاله غير واحد من المفسرين.

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "وهذا هو إظهار الدين لا كما يظن الجهلة من أنه إذا تركه الكفار وخلوا بينه وبين أن يصلي ويقرأ القرآن ويشتغل بما شاء من النوافل أنه يصير مظهراً لدينه هذا غلط فاحش فإن من يصرح بالعداوة للمشركين والبراءة منهم لا يتركونه بين أظهرهم بل إما قتلوه وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً كما ذكره الله عن الكفار قال تعالى: ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) [إبراهيم: 13] الآية. وقال إخباراً عن قوم شعيب: ( لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) [الأعراف: 88] الآية. وذكر عن أهل الكهف أنهم قالوا: ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا ) [الكهف: 20] وهل اشتدت العداوة بين الرسل وقومهم إلا بعد التصريح بمسبة دينهم وتسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم" أهـ. الدرر - جزء الجهاد ص207.

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان عند آية الممتحنة أيضاً: "فهذه هي ملة إبراهيم التي قال الله فيها: ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ) [البقرة: 130]، فعلى المسلم أن يعادي أعداء الله ويظهر عداوتهم ويتباعد عنهم كل التباعد وأن لا يواليهم ولا يعاشرهم ولا يخالطهم..." أه ص221، جزء الجهاد - الدرر السنية.

وأخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في موضع آخر: ( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 75-76].

وفي موضع ثالث يقول سبحانه: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ) [الزخرف: 27].

يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وقد افترض الله تعالى البراءة من الشرك والمشركين والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم وجهادهم: ( فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ) [البقرة: 59]، فوالوهم وأعانوهم وظاهروهم، واستنصروا بهم على المؤمنين وأبغضوهم وسبوهم من أجل ذلك، وكل هذه الأمور تناقض الإسلام كما دل عليه الكتاب والسنة في مواضع".

وهاهنا شبهة يطرحها كثير من المتسرعين، وهي قولهم إن ملة إبراهيم هذه إنما هي مرحلة أخيرة من مراحل الدعوة، يسبقها البلاغ بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن، ولا يلجأ الداعية إلى ملة إبراهيم هذه من البراءة من أعداء الله ومعبوداتهم والكفر بها وإظهار العداوة والبغضاء لهم إلا بعد استنفاذ جميع أساليب اللين والحكمة.. فنقول وبالله التوفيق: إن هذا الإشكال إنما حصل بسبب عدم وضوح ملة إبراهيم لدى هؤلاء الناس، وبسبب الخلط بين طريقة الدعوة للكفار ابتداء وطريقتها مع المعاندين منهم.. وأيضاً الفرق بين ذلك كله وبين موقف المسلم من معبودات ومناهج وشرائع الكفار الباطلة نفسها.. فملة إبراهيم من حيث أنها إخلاص للعبادة لله وحده وكفر بكل معبود سواه لا يصح أن تؤخر أو تؤجل.. بل ينبغي أن لا يبدأ إلا بها، لأن ذلك هو تماماً ما تحويه كلمة لا إله إلا الله من النفي والإثبات وهو أصل الدين وقطب الرحى في دعوة الأنبياء والمرسلين، ولأجل أن يزول عنك، كل إشكال فهاهنا قضيتان:

الأولى: وهي البراءة من الطواغيت والآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والكفر بها، فهذه لا تؤخر ولا تؤجل.. بل ينبغي أن تظهر وتعلن منذ أول الطريق.

الثانية: البراءة من الأقوام المشركين هم أنفسهم إن أصروا على باطلهم. وإليك التفصيل والبيان:-

القضية الأولى: وهي الكفر بالطواغيت التي تعبد من دون الله عز وجل، سواء اكانت هذه الطواغيت أصناماً من حجر، أو شمساً أو قمراً، أو قبراً أو شجراً، أو تشريعات وقوانين من وضع البشر.. فملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين تستلزم إظهار الكفر بهذه المعبودات كلها وإبداء العداوة والبغضاء لها، وتسفيه قدرها والحط من قيمتها وشأنها وإظهار زيفها ونقائصها وعيوبها منذ أول الطريق. وهكذا كان حال الأنبياء حين كانوا يبدأون دعوتهم لأقوامهم بقولهم: ( اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل: 36]، ومن هذا قول الله تعالى عن الحنيف إبراهيم عليه السلام: ( قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 75].

وقوله في الأنعام: ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) [الأنعام: 78]، وقوله: ( إذا قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ).. [الزخرف: 27].

وكذا قوله سبحانه عن قوم إبراهيم: ( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) [الأنبياء: 60]. قال المفسرون: ( يذكرهم ) أي يعيبهم ويستهزىء بهم ويتنقصهم. والكتاب والسنة يمتلئان بالأدلة على ذلك.. ويكفينا من ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، وكيف كان يسفه آلهة قريش ويظهر البراءة منها والكفر بها حتى كانوا يلقبونه بالصابئ.

وإن شئت أن تتأكد من ذلك وتتيقنه فارجع وتدبر القرآن المكي، الذي ما كانت تتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم منه بضع آيات حتى تضرب بها أكباد المطي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وتتناقلها الألسنة في الأسواق والمجالس والنوادي.. وكانت هذه الآيات تخاطب العرب بلغتهم العربية المفهومة.. بكل وضوح وجلاء تسفه آلهتهم وعلى رأسها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أعظم الآلهة عند القوم في ذلك الزمان، وتعلن البراءة منها وعدم الالتقاء معها أو الرضى بها وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليكتم شيئاً من ذلك.. إن هو إلا نذير.

فالذين يصدّرون أنفسهم للدعوة في هذا الزمان بحاجة إلى تدبر هذا الأمر جيداً ومحاسبة أنفسهم عليه كثيراً، لأن دعوة تسعى لنصرة دين الله ثم تلقي بهذا الأصل الأصيل وراءها ظهرياً لا يمكن أن تكون على منهج الأنبياء والمرسلين.. وها نحن نعايش في هذا الزمان انتشار شرك التحاكم إلى الدساتير والقوانين الوضعية بين ظهرانينا، فيلزم هذه الدعوات ولا بد، التأسي بنبيها في اتباع ملة إبراهيم بتسفيه قدر هذه الدساتير وتلك القوانين وذكر نقائصها للناس وإبداء الكفر بها وإظهار وإعلان العداوة لها ودعوة الناس إلى ذلك.. وبيان تلبيس الحكومات وضحكها على الناس.. وإلا فمتى يظهر الحق، وكيف يعرف الناس دينهم حق المعرفة، ويميزون الحق من الباطل والعدو من الولي.. ولعل الغالبية يتعذرون بمصلحة الدعوة وبالفتنة.. وأي فتنة أعظم من كتمان التوحيد والتلبيس على الناس في دينهم، وأي مصلحة أعظم من إقامة ملة إبراهيم وإظهار الموالاة لدين الله والمعاداة للطواغيت التي تعبد ويدان لها من دون الله، وإذا لم يبتل المسلمون لأجل ذلك وإذا لم تقدم التضحيات في سبيله فلأي شيء إذاً يكون البلاء.. فالكفر بالطواغيت كلها واجب على كل مسلم بشطر شهادة الإسلام.. وإعلان ذلك وإبداؤه وإظهاره واجب عظيم أيضاً لا بد وأن تصدع به جماعات المسلمين أو طائفة من كل جماعة منهم على الأقل، حتى يشتهر وينتشر ويكون هو الشعار والصفة المميزة لهذه الدعوات كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس في زمن التمكين وحسب بل وفي زمن الاستضعاف، حيث كان يشار إليه بالأصابع ويحذر منه ويوصف بعداوة الآلهة وغير ذلك.. وإننا لنعجب أي دعوة هذه التي يتباكى أولئك الدعاة على مصلحتها وأي دين هذا الذي يريدون إقامته وإظهاره وأكثرهم يلهج بمدح القانون الوضعي - ويا للمصيبة - وبعضهم يثني عليه ويشهد بنزاهته وكثير منهم يقسم على احترامه والالتزام ببنوده وحدوده، عكساً للقضية والطريق فبدلاً من إظهار وإبداء العداوة له والكفر به، يظهرون الولاء له والرضى عنه، فهل مثل هؤلاء ينشرون توحيداً أو يقيمون ديناً؟! إلى الله المشتكى..

وإبداء هذا الأمر وإظهاره ليس له علاقة بتكفير الحاكم أو إصراره على الحكم بغير شريعة الرحمن.. لأنه متعلق بالدستور أو التشريع أو القانون القائم المحترم المطبق المبجل المحكم بين الناس.

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:24 PM   #4


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


القضية الثانية: وهي البراءة من المشركين والكفر بهم وإظهار العداوة والبغضاء لهم هم أنفسهم.

يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: "وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" أهـ. وينسب لشيخ الإسلام وهذه القضية -أي البراءة من المشركين- أهم من الأولى أعني (البراءة من معبوداتهم).

يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى في "سبيل النجاة والفكاك" عند قوله تعالى: ( إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ) [الممتحنة: 4]: "وهاهنا نكتة بديعة وهي أن الله تعالى قدّم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله لأن الأول أهم من الثاني، فإنه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممن عبدها لا يكون آتياً بالواجب عليه. وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وكذا قوله: ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) [مريم: 48] الآية. فقدّم اعتزالهم على اعتزال ما يدعون من دون الله. وكذا قوله: ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ) [مريم: 49]، وقوله: ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله ) [الكهف: 16]، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك باباً إلى عداوة أعداء الله. فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله فلا يكون مسلماً بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين"(4) أهـ.

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الدرر السنية: "والمرء قد ينجو من الشرك ويحب التوحيد، ولكنه يأتيه الخلل من جهة عدم البراءة من أهل الشرك وترك موالاة أهل التوحيد ونصرتهم. فيكون متبعاً لهواه داخلاً من الشرك في شعب تهدم دينه وما بناه، تاركاً من التوحيد أصولاً وشعباً لا يستقيم معها إيمانه الذي ارتضاه فلا يحب ولا يبغض لله ولا يعادي ولا يوالي لجلال من أنشأه وسوّاه، وكل هذا يؤخذ من شهادة أن لا إله إلا الله" أه من جزء الجهاد ص681.

ويقول أيضاً في رسالة أخرى له من الكتاب نفسه ص842: "وأفضل القرب إلى الله مقت أعدائه المشركين وبغضهم وعداوتهم وجهادهم وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك، فالحذر الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه" أهـ.

ويقول سليمان بن سحمان:

فمن لم يعاد المشركين ولم يوال ولم يبغض ولم يتجنب

فليس على منهاج سنة أحمد وليس على نهج قويم معرب


وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: " لا بد للمسلم من التصريح بأنه من هذه الطائفة المؤمنة، حتى يقويها وتقوى به ويفزع الطواغيت، الذين لا يبلغون الغاية في العداوة حتى يصرح لهم أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم". أه من مجموعة التوحيد.

وسئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله، ولكن لا يعادي المشركين أو عاداهم ولم يكفرهم؟ فكان مما أجابا به: "من قال لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم؟ فهو غير مسلم؟ وهو ممن قال الله تعالى فيهم: ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ) [النساء: 151]. أهـ. من الدرر(5).

يقول سليمان بن سحمان:

فعاد الذي عادى لدين محمد ووال الذي والاه من كل مهتد

وأحبب لحب الله من كان مؤمناً وأبغض لبغض الله أهل التمرد

وما الدين إلا الحب والبغض والولا كذاك البرا من كل غاو ومعتد


ويقول أيضاً:

نعم لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر

وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تهاجيهم وللكفر تنصر

فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر

مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر

وتكفيرهم جهراً وتسفيه رأيهم وتضليلهم فيما أتوه وأظهروا

وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهموا سراً لذاك وتجهر

فهذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر


بالطبع لا نقول إن إظهار مثل هذه البراءة والعداوة شاملة حتى للمؤلفة قلوبهم، أو من يظهرون التقبل ولا يظهرون العداوة لدين الله، وإن كان الواجب وجودها في القلب لكل مشرك، حتى يتطهر من شركه، ولكن الكلام على الإظهار والإعلان والمجاهرة والإبداء، فهؤلاء وحتى المتجبرين والظالمين يُدعون إلى طاعة الله بالحكمة والموعظة الحسنة ابتداء فإن استجابوا فهم إخواننا نحبهم بقدر طاعتهم ولهم ما لنا، وعليهم ما علينا. وإن أبوا مع وضوح الحجة واستكبروا وأصروا على ما هم عليه من الباطل والشرك ووقفوا في الصف المعادي لدين الله، فلا مجاملة معهم ولا مداهنة.. بل يجب إظهار وإبداء البراءة منهم عند ذلك.. وينبغي التفريق هنا بين الحرص على هداية المشركين والكفار وكسب أنصار للدين واللين في البلاغ والحكمة والموعظة الحسنة وبين قضية الحب والبغض والموالاة والمعاداة في دين الله، لأن كثيراً من الناس يخلط في ذلك فتستشكل عليهم كثير من النصوص مثل: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" وما إلى ذلك.

وقد تبرأ إبراهيم من أقرب الناس إليه، لما تبين له أنه مصرّ على شركه وكفره، قال تعالى عنه: ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) [التوبة: 114].. ذلك بعد أن دعاه بالحكمة والموعظة الحسنة، فتجده يخاطبه بقوله: ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ) [مريم: 43].. ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ) [مريم: 45].. وهكذا موسى مع فرعون.. بعد أن أرسله الله إليه وقال: ( فقولا له قولاً ليّنا لعله يتذكر أو يخشى ) [طه: 44].. فقد بدأ معه بالقول اللين استجابة لأمر الله فقال: ( هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى ) وأراه الآيات والبينات.. فلما أظهر فرعون التكذيب والعناد والإصرار على الباطل، قال له موسى كما أخبر تعالى: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني أظنك يا فرعون مثبورا ) [الإسراء: 102]. بل ويدعو عليهم قائلاً: ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [يونس: 88]، فالذين يدندنون على نصوص الرفق واللين والتيسير على إطلاقها ويحملونها على غير محملها، ويضعونها في غير موضعها، ينبغي لهم أن يقفوا عند هذه القضية طويلاً، ويتدبروها ويفهموها فهماً جيداً.. إن كانوا مخلصين..

وليعلموا بعد ذلك جيداً، أن من كُلم بشتى الأساليب وأغلبها من أساليب الرفق واللين، سواء عن طريق الرسائل والكتب أو مباشرة ومواجهة عن طريق كثير من الدعاة، وبُيّن له أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر.. وعلم بأنه لا يجوز له الحكم بغير شريعة الله.. ولكنه برغم ذلك يصر ويستكبر.. وإن كان في ظاهره في كثير من المناسبات يضحك على أذقان المساكين بوعوده الفارغة الكاذبة وكلماته المعسولة وحججه الواهية الزائفة.. ولسان حاله يكذب مقاله. وذلك بإقراره وسكوته عن ازدياد الكفر والفساد في البلاد والعباد يوماً بعد يوم.. وتشديده على الدعاة والمؤمنين، وتضييقه على المصلحين ورصده لهم بأجهزة مخابراته وشرطته.. وتوسيعه في الوقت ذاته على كل محارب لدين الله، وتسهيل وسائل الفساد والإفساد لأعداء الله بل وتسخير وسائل الإعلام لهم ولفسادهم ولإلحادهم.. وإصدار القوانين واللوائح التي تعاقب كل من تهجم على ياسقه العصري الوضعي الشركي أو أعلن الكفر والبراءة منه أو تنقصه أو بيّن باطله للناس.. وإصراره على إبقائه الحاكم الذي يفصل بين العباد في دمائهم وأموالهم وفروجهم، رغم ما هو مشحون به من الكفر البواح.. وعدم استسلامه لشرع الله وتحكيمه مع علمه بوجوب ذلك ومطالبة المصلحين به.. فمثل هذا لا تجوز مداهنته أو مهادنته أو مجاملته أو تبجيله بألقابه أو تهنئته بالأعياد والمناسبات أو إظهار الولاء له أو لحكومته.. بل لا يقال له إلا كما قال إبراهيم والذين معه لقومهم: إنا برءاء منك ومن دستورك وقوانينك الشركية وحكومتك الكفرية.. كفرنا بكم.. وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى ترجعوا إلى الله وتستسلموا وتنقادوا لشرعه وحده.. ويدخل في ذلك أيضاً التحذير من موالاتهم ومن الدخول في طاعتهم والاطمئنان إليهم والمشي في ركابهم وتكثير سوادهم عن طريق الوظائف التي تعينهم على باطلهم أو تثبت حكوماتهم وتحفظ أو تنفذ قوانينهم الباطلة كالجيش والشرطة والمباحث وغير ذلك..

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:24 PM   #5


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


ولقد كانت مواقف السلف مع أمراء زمانهم - الذين لا تصح بحال من الأحوال مقارنتهم بهذا الطاغوت وأمثاله - مواقف حازمة واضحة نظيفة.. وأين مواقف كثير من أصحاب الدعوات في زماننا هذا منها.. مع شهرة هؤلاء وتصفيق أتباعهم لهم.. ومع أن أولئك السلف ما تخرجوا من كليات العلوم السياسية أو الحقوق، ولا كانوا يقرأون الجرائد أو المجلات النتنة بحجة التبصر بمكايد الأعداء.. مع ذلك كانوا يفرون من السلطان وأبوابه والسلطان يطلبهم ويغريهم بالأموال وغيرها.. أما المنتسبون إليهم اليوم ممن لعب الشيطان بدينهم فيطلبون صلاح دنياهم بفساد دينهم؛ فيأتون ويطلبون أبواب السلطان والسلطان يذلهم ويعرض عنهم.. وكان السلف رضوان الله عليهم ينهون عن الدخول على أمراء الجور، حتى لمن أراد أمرهم بالمعروف أو نهيهم عن المنكر، مخافة أن يفتتن بهم فيداهنهم أو يجاملهم لإكرامهم أو يسكت عن بعض باطلهم ويقره، ويرون أن البعد عنهم واعتزالهم خير براءة وإنكار لأحوالهم.. واستمع إلى سفيان الثوري وهو يكتب إلى عباد بن عباد فيقول في كتابه: "إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك ويقال لك لتشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة فإن ذلك خديعة إبليس.. وإنما اتخذها فجار القراء سلماً.." اه. من سير أعلام النبلاء (13/586) وجامع بيان العلم وفضله (1/179) فانظر إلى سفيان رحمه الله تعالى وهو يسمي ما يصفه دعاة اليوم بمصلحة الدعوة: "خديعة إبليس".. ولم يقل لصاحبه كما يفعل كثير من دعاة هذا الزمان الذين يضيعون أعمارهم في طلب مصلحة الدعوة ونصر الدين عند أعدائه ومحاربيه: "لا يا أخي!! اثبت وجودك وتقرب إليهم لعلك تحصل على منصب أو كرسي في مجلس الوزراء أو مجلس الأمة، ولعلك تقلل من الظلم أو تنفع إخوانك. ولا تترك هذا المنصب للعصاة والفجرة ليستغلوه.. و… و.." بل وصف ذلك بأنه سلم للدنيا عند فجار القراء وإذا كان هذا في زمانه فكيف في زماننا. نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من شر أهل هذا الزمان وشر تلبيساتهم.. ورحم الله من قال:

قوم تراهم مهطعين لمجلس فيه الشقاء وكل كفر دان

بل فيه قانون النصارى حاكماً من دون نص جاء في القرآن

تبّاً لكم من معشر قد أشربوا حب الخلاف ورشوة السلطان


وهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يكرر كثيراً ما جاء عن سفيان الثوري من قوله: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:


إما أن يكون فتنة لغيره بالجلوس معه، وقد ورد في الحديث: "من سن في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" رواه مسلم.


أن يقع في قلبه شيء من الاستحسان، فيزل به فيدخله الله النار بسبب ذلك.


أن يقول: "والله ما أبالي بما تكلموا وإني واثق من نفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه الله إياه" اه. من الدرر السنية وغيرها.

فإذا كانت هذه أقوالهم في مجالسة أهل البدع وإن كانت بدعهم غير مكفرة كما هو معلوم في مواضع كثيرة من كلامهم.. فكيف بمجالسة المرتدين من عبيد القانون وغيرهم من المشركين.. وتأمل قوله في الثالثة: "إني واثق من نفسي" وكم سقط بسببها وبمثلها كثير من دعاة زماننا، فالسلامة.. السلامة..

وعلى كل حال فقد أبطل الله تعالى جميع هذه الطرق المعوجة التي يحلم أصحابها أن وراءها نصراً للدين.. فبين جل وعلا أن لا نصر يرتجى ولا مصلحة دينية أبداً في التقرب إلى الظلمة.. فقال سبحانه في سورة هود التي شيَّبَت النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) [هود: 113]، فليس وراء هذه المداهنات والسبل الملتوية نصراً لدين الله ولا مصلحة وإن توهم ذلك المتوهمون.. اللهم إلا أن يكون مسيس النار عندهم مصلحة للدعوة.. فأفق من نومك، ولا تغتر بكل ناعق وزاعق..

وقد قال المفسرون في قوله تعالى: ( ولا تركنوا ) الركون هو الميل اليسير.

وقال أبو العالية: لا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام.

وقال سفيان الثوري: من لاق لهم دواة أو برى لهم قلماً أو ناولهم قرطاساً دخل في ذلك.

قال الشيخ حمد بن عتيق: فتوعد سبحانه بمسيس النار من ركن إلى أعدائه ولو بلين الكلام.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن -وهو من أئمة الدعوة النجدية السلفية أيضاً- بعد أن ذكر بعض أقوال المفسرين السابقة في معنى الركون: "وذلك لأن ذنب الشرك أعظم ذنب عصي الله به على اختلاف رتبه، فكيف إذا انضاف إليه ما هو أفحش، من الاستهزاء بآيات الله وعزل أحكامه وأوامره وتسمية ما ضاده وخالفه بالعدالة، والله يعلم ورسوله والمؤمنون أنها الكفر والجهل والضلالة، ومن له أدنى أنفة وفي قلبه نصيب من الحياة يغار لله ورسوله وكتابه ودينه ويشتد إنكاره وبراءته في كل محفل، وكل مجلس، وهذا من الجهاد الذي لا يحصل جهاد العدو إلا به، فاغتنم إظهار دين الله والمذاكرة به وذم ما خالفه والبراءة منه ومن أهله، وتأمل الوسائل المفضية إلى هذه المفسدة الكبرى وتأمل نصوص الشارع في قطع الوسائل والذرائع، وأكثر الناس ولو تبرأ من هذا ومن أهله، فهو جند لمن تولاهم وأنس بهم وأقام بحماهم والله المستعان" اه من الدرر، جزء الجهاد ص161. فلله دره كأنّه يتكلم عن زماننا.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوّله وأُسّه ورأسه، شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين منكم نسباً واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم، وأبغضوا من أحبهم. أو جادل عنهم أو لم يكفرهم، أو قال ما عليّ منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى إثماً مبيناً، فقد كلّف الله كل مسلم ببغض الكفار، وافترض عليه عداوتهم، وتكفيرهم والبراءة منهم، ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً" أهـ. من مجموعة التوحيد.

تنبيه : واعلم بعد ذلك كله، أن لا تنافي بين القيام بملة إبراهيم والأخذ بأسباب السرية والكتمان في العمل الجاد لنصرة الدين.. وكلامنا هذا كله لا يرد هذا السبب العظيم الذي كان يأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم والأدلة عليه من سيرته أكثر من أن تحصى.. ولكن الذي يقال: إن هذه السرية يجب أن توضع في مكانها الحقيقي.. وهي سرية التخطيط والإعداد، اما ملة إبراهيم والكفر بالطواغيت ومناهجهم وآلهتهم الباطلة فهذه لا تدخل في السرية بل من علنية الدعوة فينبغي إعلانها منذ أول الطريق كما بينا سابقاً، وعلى ذلك يُحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق".. الحديث. رواه مسلم وغيره.. أما إخفاؤها وكتمها مداهنة للطواغيت، وتغلغلاً في صفوفهم وارتقاء في مناصبهم.. فليس من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. بل هو من هدي وسرية أصحاب التنظيمات الأرضية الذين يجب أن يقال لهم أيضاً: ( لكم دينكم ولي دين ).. وخلاصة الأمر أنها: سرية في الإعداد والتخطيط علنية في الدعوة والتبليغ.

وإنما قلنا ذلك لأن كثيراً من الناس سواء من المرجفين أو ممن لم يفهموا دعوة الأنبياء حق الفهم، يقولون عن جهل منهم إن هذه الطريق التي تدعون إليها تكشفنا وتفضح تخطيطاتنا وتعجّل بالقضاء على الدعوة وثمراتها..

فيقال لهم أولاً: إن هذه الثمرات المزعومة لن تينع ولن يبدو صلاحها حتى يكون الغراس على منهاج النبوة، وواقع هذه الدعوات العصرية أكبر دليل وشاهد على ذلك بعد الأدلة الشرعية المتقدمة من ملّة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. حيث إن ما نعانيه اليوم من جهل أبناء المسلمين والتباس الحق عليهم بالباطل، وعدم وضوح مواقف الولاء والبراء، إنما هو من سكوت وكتمان العلماء والدعاة لهذا الحق ولو أنهم صرحوا وصدعوا به وابتلوا كما هو حال الأنبياء لظهر وبان للناس جميعاً، ولتمحص وتميز بذلك أهل الحق من أهل الباطل ولبلغت رسالات الله ولزال التلبيس الحاصل على الناس خاصة في الأمور المهمة والخطيرة في هذا الزمان، وكما قيل: "إذا تكلم العالم تقية والجاهل بجهله فمتى يظهر الحق". وإذا لم يظهر دين الله وتوحيده العملي والاعتقادي للناس.. فأي ثمار تلك التي ينتظرها ويرجوها هؤلاء الدعاة.؟

أهي (الدولة الإسلامية)؟ إن إظهار توحيد الله الحق للناس وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد هي الغاية العظمى والمقصود الأهم وإن نكّل بالدعوات وإن ابتلي الدعاة..

وهل يظهر الدين إلا بالمدافعة والبلاء: ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) [البقرة: 251]، فبذلك يكون إعلاء دين الله وإنقاذ الناس وإخراجهم من الشرك باختلاف صوره، وهذه هي الغاية التي يكون من أجلها البلاء وتنحر على عتباتها التضحيات.. وما الدولة الإسلامية أصلاً إلا وسيلة من وسائل هذه الغاية العظمى.. وفي قصة أصحاب الأخدود عبرة لأولي الألباب فإن ذلك الغلام الداعية الصادق ما أقام دولة ولا صولة ولكنّه أظهر توحيد الله أيما إظهار، ونصر الدين الحق نصراً مؤزراً ونال الشهادة، وما قيمة الحياة بعد ذلك، وما وزن القتل والحرق والتعذيب إذا فاز الداعية بالفوز الأكبر.. كانت الدولة أم لم تكن.. وإن حُرِّق المؤمنين وإن خُدَّت لهم الأخاديد فإنهم منتصرون لأن كلمة الله هي الظاهرة والعليا.. أضف إلى ذلك أن الشهادة طريقهم والجنة نزلهم.. فأنعم بذلك أنعم..

وبهذا تعلم أن قول أولئك الجهّال: "إن هذه الطريق تقضي على الدعوة وتعجل ببوار ثمراتها" جهل وإرجاف، لأن هذه الدعوة هي دين الله الذي وعد الله عز وجل بأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وذلك كائن لا ريب فيه، ونصرة دين الله وإعلاؤه ليست متعلقة بأشخاص هؤلاء المرجفين، تذهب بذهابهم أو تهلك بهلاكهم أو توليهم.. قال تعالى: ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [محمد: 38]. وقال: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) [المائدة: 54]، وقال سبحانه: ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) [الحديد: 24]، وها هي دعوات الرسل والأنبياء وأتباعهم خير شاهد في شعاب الزمان.. وقد كانوا أشد الناس بلاءً وامتحاناً وما أثّر ذلك البلاء في نور دعواتهم، بل ما زادها إلا ظهوراً واشتهاراً وتغلغلاً في قلوب الناس وبين صفوفهم، وها هي إلى اليوم ما زالت نوراً يهتدي به السائرون في طريق الدعوة إلى الله، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه.

ثم ومع ذلك كلّه فلا بد من معرفة قضية أخيرة هنا.. وهي أن هذا الصدع بإظهار العداوة والبراءة من الكفّار المعاندين وإبداء الكفر بمعبوداتهم وباطلهم المتنوع في كل زمان، وإن كان هو الأصل في حال الداعية المسلم.. وهو صفة الأنبياء وطريق دعوتهم المستقيم الواضح.. ولن تفلح هذه الدعوات ولن يصلح مرادها وحالها ولن يظهر دين الله ولن يعرف الناس الحق إلا بالتزام ذلك واتباعه، مع ذلك يقال بأنّه إذا صدعت به طائفة من أهل الحق سقط عن الآخرين والمستضعفين منهم من باب أولى، وذلكم الصدع به، أما هو بحد ذاته فإنّه واجب على كل مسلم في كل زمان ومكان لأنّه كما أسلفنا من لا إله إلا الله التي لا يصح إسلام امرىء إلا بها، أما أن يهمل ويلغى الصدع به كلية من حساب الدعوات مع أنّه أصل أصيل في دعوات الأنبياء، فأمر غريب محدث ليس من دين الإسلام في شيء، بل دخل على هؤلاء الدعاة الذين يدعون بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم بتقليدهم ومحاكاتهم للأحزاب الأرضية وطرائقها التي تدين بالتقية في كل أحوالها ولا تبالي بالمداهنة أو تتحرج من النفاق..

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:25 PM   #6


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


واستثناؤنا هذا غير نابع من الهوى والتكتيكات العقلية بل من النصوص الشرعية النقلية الكثيرة.. والمتأمل لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد الاستضعاف يتجلى له ذلك واضحاً.. وانظر على سبيل المثال لا الحصر.. قصة إسلام عمرو بن عبسة السلمي في صحيح مسلم ومحل الشاهد منها قوله، قلت: "إني متبعك". قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني.. الحديث" قال النووي: "معناه قلت له إني متبعك على إظهار الإسلام هنا وإقامتي معك. فقال: لا تستطيع ذلك لضعف شوكة المسلمين ونخاف عليك من أذى كفار قريش ولكن قد حصل أجرك فابق على إسلامك وارجع إلى قومك واستمر على الإسلام في موضعك حتى تعلمني ظهرت فأتني..." أهـ. فهذا واحد قد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في عدم إعلان وإظهار الدين.. لأن دين الله ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مشتهرة معروفة ظاهرة في ذلك الوقت ويدلك على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه: "ألا ترى حالي وحال الناس".

وقصة إسلام أبي ذر في البخاري أيضاً، ومحل الشاهد منها قوله صلى الله عليه وسلم له: "يا أبا ذر أكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل..." الحديث ومع هذا فقد صدع به أبو ذر بين ظهراني الكفّار متابعة منه لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته في ذلك، ومع أنهم ضربوه ليموت كما جاء في الحديث، ومع تكراره لذلك الصدع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه فعله ذلك، ولا خذّله ولا قال له كما يقول دعاة زماننا إنّك بفعلك هذا ستبلبل الدعوة وستثير فتنة، وتضر مصلحة الدعوة أو أخرت الدعوة مائة سنة.. حاشاه من أن يقول مثل ذلك.. فهو قدوة الناس كافة وأسوتهم إلى يوم القيامة في هذا الطريق.. فاستخفاء بعض المستضعفين من اتباع الدعوة شيء وظهور الدين وإعلانه شيء آخر، ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة معروفة مشتهرة، والكل يعرف أن أصلها وقطب رحاها الكفر بطواغيت ذلك الزمان وتوحيد العبادة بكل أنواعها لله عز وجل.. حتى أنّه ليحذر منها وتحارب بشتى الوسائل.. وما احتاج أتباعه المستضعفين أصلاً للاستخفاء والهجرة وما حصل لهم من الأذى والاستضعاف ما حصل إلا بسبب وضوح الدعوة واشتهار أصلها، ولو كان عندهم من المداهنة قليلاً مما عند أهل زماننا لما حصل لهم ذلك كله.

وبمعرفتك لهذه النكتة تتضح لك فائدة أخرى مهمة: وهي جواز مخادعة الكفّار وتخفي بعض المسلمين بين صفوفهم أثناء المواجهة والقتال إذا ما كان الدين ظاهراً وأصل الدعوة مشتهراً.. ففي هذه الأحوال يصح الاستشهاد بحادثة قتل كعب بن الأشرف وأمثالها.. أما أن يضيع كثير من الدعاة أعمارهم في جيوش الطواغيت موالين مداهنين يحيون ويموتون وهم في خدمتهم وخدمة مؤسساتهم الخبيثة بحجة الدعوة ونصر الدين.. فيلبسوا على الناس دينهم ويقبروا التوحيد.. فهذه السبل في المغرب ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه عنها في أقاصي المشرق.

سارت مشر***ِّقةً وسرت مغرّباً شتّان بين مشرِّقٍ ومغرِّبِ


فملة إبراهيم إذاً هي طريق الدعوة الصحيحة.. التي فيها مفارقة الأحباب وقطع الرقاب.. أما غيرها من الطرائق والمناهج الملتوية والسبل المعوجة المنحرفة تلك التي يريد أصحابها إقامة دين الله دون أن يستغنوا عن المراكز والمناصب، ودون أن يغضبوا أصحاب السلطان.. أو يفقدوا القصور والنسوان والسعادة في الأهل والبيوت والأوطان، فليست من ملة إبراهيم في شيء. وإن ادعى أصحاب هذه الدعوات أنهم على منهج السلف ودعوة الأنبياء والمرسلين.. فوالله لقد رأيناهم.. رأيناهم كيف يبشون في وجوه المنافقين والظالمين بل والكفّار المحادين لله ورسوله لا لدعوتهم ورجاء هدايتهم، بل يجالسونهم مداهنةً وإقراراً لباطلهم ويصفقون لهم ويقومون لهم إكراماً يبجلونهم ويدعونهم بألقابهم.. نحو: صاحب الجلالة والملك المعظم والرئيس المؤمن وصاحب السمو بل وإمام المسلمين وأمير المؤمنين مع أنهم حرب على الإسلام والمسلمين(6).. نعم والله لقد رأيناهم يغدو أحدهم ويروح.. يبيع دينه بأقل من جناح بعوضة.. يمسي مؤمناً يدرس التوحيد وربما درّسه ويصبح يقسم على احترام الدستور بقوانينه الكفرية، ويشهد بنزاهة القانون الوضعي.. ويكثر سواد الظالمين ويلقاهم بوجه منبسط ولسان عذب.. مع أنّهم يمرون بآيات الله الليل والنهار تنهاهم عن الركون للظالمين أو طاعتهم والرضى عن بعض باطلهم.. فهم يقرأون هذه الآيات، كقوله تعالى: ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) [هود: 113]، وقوله عز وجل: ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم... ) الآية [النساء: 140].

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معنى قوله تبارك وتعالى: ( إنكم إذاً مثلهم ) ، "الآية على ظاهرها وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم وإن لم يفعل فعلهم.." اه من الدرر جزء الجهاد ص79.

وقوله عز وجل: ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) [الأنعام: 68].

قال الحسن البصري: لا يجوز له القعود معهم خاضوا أو لم يخوضوا لقوله تعالى: ( وإمّا ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) [الأنعام: 68]، وكذا قوله تعالى: ( ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً ) [الإسراء: 74].

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلوات الله وسلامه عليه فكيف بغيره" اه. من الدرر جزء الجهاد ص47.
ويقرأون قوله تعالى واصفاً المؤمنين: ( والذين هم عن اللغو معرضون ) [المؤمنون: 3]، وقوله: ( والذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو مَرُّوا كِراماً ) [الفرقان: 72].

ويزعمون أنهم على منهج السلف، والسلف كانوا يفرون من أبواب السلاطين ومناصبهم في عهد أرباب الشريعة والهدى لا في عهود الجور والظلمات.. ووالله ما وضع السيف على رقابهم ولا علقوا من أرجلهم وما أجبروا على ذلك.. بل فعلوه مختارين ومنحوا عليه الأموال الطائلة.. والحصانات الدبلوماسية.. فنعوذ بالله من هوى النفوس وطمس البصائر.. وليتهم أعلنوها وقالوا: فعلناها حرصاً على الدنيا.. بل يقولون مصلحة الدعوة ونصر الدين.. فعلى من تضحكون يا مساكين.. أعلينا نحن الضعفاء؟؟ فإننا وأمثالنا لا نملك لكم ضراً ولا نفعاً... أم على جبار السموات والأرضين، الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم سركم ونجواكم..

ولقد سمعناهم يرمون من خالفهم أو انكر عليهم ذلك، بضحالة الفكر وقلة الخبرة وأنهم ليس عندهم حكمة في الدعوة ولا صبر في اقتطاف الثمر أو بصيرة في الواقع والسنن الكونية.. وأنهم ينقصهم علم بالسياسة وعندهم قصور في التصورات.. وما درى هؤلاء المساكين.. أنهم لا يرمون بذلك أشخاصاً محددين، وإنما يرمون بذلك دين جميع المرسلين وملة إبراهيم.. التي من أهم مهماتها إبداء البراءة من أعداء الله والكفر بهم وبطرائقهم المعوجة وإظهار العداوة والبغضاء لمناهجهم الكافرة.. وما دروا أن كلامهم ذلك يقتضي أن إبراهيم والذين معه لم يكن عندهم حكمة بالدعوة ولا دراية بالواقع.. وأنهم كانوا متطرفين متسرعين.. مع أن الله عز وجل قد زكاهم وأمرنا بالتأسي بهم.. فقال: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ( ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) [النساء: 125]، ونزه سبحانه إبراهيم من السفه فوصفه بالرشد فقال: ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) [الأنبياء: 51]، ثم ذكر دعوته، بل بيّن سبحانه كما قدمنا أن ملة إبراهيم لا يرغب عنها إلا السفيه.. وأنى للسفيه حكمة الدعوة ووضوح التصورات وصحة المنهج واستقامة الطريق المزعومة..؟؟


--------------------------------------------------------------------------------

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:28 PM   #7


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


(1) ولن يستطيع العبد مواجهة الشرك وأهله ولن يقوى على التبرؤ منهم وإظهار العداوة لباطلهم إلا بعبادة الله حق عبادته، ولقد أمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن وقيام الليل في مكة وأعلمه بأن ذلك هو الزاد الذي يعينه على تحمل أعباء الدعوة الثقيلة وذلك قبل قوله: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) [المزمل: 5]، فقال: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً) [المزمل: 1-4]، فقام صلوات الله وسلامه عليه وقام معه أصحابه حتى تفطرت أقدامهم.. إلى أن أنزل سبحانه التخفيف في آخر الآيات.
وإن هذا القيام بتلاوة آيات الله عز وجل وتدبر كلامه.. لخير زاد ومعين للداعي، يثبته ويعينه على مشاق الدعوة وعقباتها.. وإن الذين يظنون أنفسهم قادرين على تحمل الدعوة العظيمة بأعبائها الثقيلة بدون إخلاص العبادة لله عز وجل وبدون إطالة ذكره وتسبيحه لمخطئون وواهمون.. وإن ساروا خطوات، فلن يستطيعوا مواصلة الطريق الصحيح المستقيم بغير زاد.. وإن خير الزاد التقوى..
ولقد وصف الله عز وجل أصحاب هذه الدعوة والذين أمر نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يصبر نفسه معهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبأنهم قليلاً من الليل ما يهجعون.. وتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.. ويخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريراً.. وغير ذلك من الصفات التي لا يصلح لهذه الدعوة وتحمل أعبائها إلا من اتصف بها، جعلنا الله تعالى وإياك منهم، فتنبه!!

(2) انظر الهامش التالي.

(3) إن أريد أصل العداوة فالكلام على إطلاقه، وإن أريد عموم العداوة؛ إظهارها وتفاصيلها والصدع بها، فالكلام في استقامة الإسلام لا في زوال أصله، وللشيخ عبد اللطيف في كتابه "مصباح الظلام" تفصيل حول هذا الموضوع، فليراجعه من شاء، وفيه قوله: "فالذي يفهم تكفير من لم يصرح بالعداوة من كلام الشيخ فهمه باطل ورأيه ضال.." أهـ. وسيأتي تفصيل كلامه لاحقا في هذه الأوراق، ونحن إنما أوردنا مقولاتهم في هذا الفصل لبيان أهمية هذا الأصل الذي طمست معالمه عند أكثر دعاة هذا الزمان. ثم ألحقنا هذه التوضيحات -رغم وضوح الكلام- لنسد الطريق على من يحاولون الصيد في الماء العكر؛ فيبحثون عن عمومات وأشياء ترقّع لهم رمَينا بعقيدة الخوارج.

(4) مقصود الشيخ هنا والله أعلم أن لا يعاديهم ولا يبغضهم جملة وتفصيلاً حتى في قلبه، بل يضمر لهم بدلاً من ذلك الود والمحبة فهذا لا شك قد نقض إيمانه وترك دين جميع المرسلين، قال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله).

(5) انظر الهامش السابق.

(6) فائدة مهمة تفضح علماء الحكومات: اعلم عافانا الله وإياك من تلبيس الملبسين أن ما يفعله كثير من الجهال وإن لقبوا بالمشايخ وتمسّحوا بالسلفية من تلقيب كثير من طغاة هذا الزمان بلقب أمير المؤمنين أو إمام المسلمين.. إنما ينهجون بذلك نهج الخوارج والمعتزلة في عدم اعتبار شرط القرشية في الإمام.. راجع في ذلك صحيح البخاري: كتاب الأحكام (باب: الأمراء من قريش)، وغيره من كتب السنة والفقه والأحكام السلطانية فإنه أمر معروف لن تجد عناء في مراجعته.. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن القاضي عياض قوله: اشتراط كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الإجماع، ولم ينقل عن أحد من السلف فيه خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار. قال: ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم في المعتزلة" اهـ (31/91).
ثم رأيت الشيخ عبد الله أبا بطين وهو من علماء الدعوة النجدية يرد على بعض المعارضين المنكرين لتلقيب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعبد العزيز بن محمد بن سعود بلقب الإمام وهما غير قرشيين.. يقول: "ومحمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما ادعى إمامة الأمة، وإنما هو عالم دعا إلى الهدى وقاتل عليه ولم يلقب في حياته بالإمام ولا عبد العزيز بن محمد بن سعود ما كان أحد في حياته منهم يسمى إماماً، وإنما حدث تسمية من تولى إماماً بعد موتهما" أهـ. انظر الدرر جزء الجهاد ص240، فانظر إلى هذا العالم الرباني كيف يتبرأ من ذلك وينكره رغم أن المذكورين كانا من دعاة الهدى، ولا يكابر مكابرة كثير من مشايخ الحكومات في هذا الزمان الذين يصرون على تسمية طواغيتهم بالإمام وأمير المؤمنين.. فبشراهم بأنهم على نهج الخوارج سائرون.. ذلك الوصف الذي طالما رموا به طلبة العلم ودعاة الحق الذين ينابذون طواغيتهم..

ورموهمُ بغياً بما الرامي به أولى ليدفع عنه فعل الجاني

يرمي البريء بما جناه مباهتاً ولذاك عند الغرّ يشتبهان


وهذا كله بالنسبة لشرط القرشية، فكيف إذا انضم إلى ذلك انعدام العدالة والعلم والحكمة وغير ذلك من شروط الإمامة؟ وكيف إذا عُدم الإسلام والإيمان؟ كيف، كيف؟

واعلم ثبّتنا الله وإيّاك على صراطه المستقيم أن هذه البراءة والعداوة التي تقتضي ملة إبراهيم إعلانها وإبداءها لأهل الكفر ومعبوداتهم، تكلف الكثير الكثير..

فلا يظن ظان أن هذه الطريق مفروشة بالورد والرياحين أو محفوفة بالراحة والدعة، بل هي والله محفوفة بالمكاره والابتلاءات.. ولكن ختامها مسك وروح وريحان ورب غير غضبان.. ونحن لا نتمنى البلاء لأنفسنا ولا للمسلمين، ولكن البلاء هو سنة الله عز وجل في هذه الطريق، ليميز به الخبيث من الطيب، فهي الطريق التي لا ترضي أصحاب الهوى والسلطان لأنها مصادمة صريحة لواقعهم، وبراءة واضحة من معبوداتهم وشركياتهم.. أما غير هذه الطريق، فإنك تجد أصحابها في الغالب مترفين وللدنيا راكنين، لا يبدو عليهم أثر البلاء، لأن المرء إنما يبتلى على قدر دينه، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.. وأتباع ملة إبراهيم من أشد الناس بلاء لأنهم يتبعون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله.. كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم : "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي.." رواه البخاري..

فإن رأيت في زماننا من يزعم أنه يدعو لمثل ما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم وبمثل طريقته، ويدعي أنه على منهجه، ولا يعادى من أهل الباطل والسلطان، بل هو مطمئن مرتاح بين ظهرانيهم.. فانظر في حاله.. إما أن يكون ضالاً عن الطريق.. لم يأت بمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم واتخذ سبلاً معوجة.. أو يكون كاذباً في دعواه يتزيا بما ليس هو أهلاً أن يتزيّا به، إما لهوى مطاع وإعجاب كل ذي رأي برأيه.. أو لدنيا يصيبها كأن يكون جاسوساً وعيناً لأصحاب السلطان على أهل الدين..

وهذا الذي قاله ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان مقرراً في نفوس الصحابة عندما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث وقف أسعد بن زرارة يذكرهم ويقول: "رويداً يا أهل يثرب، إن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة، أو قتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله" رواه الإمام أحمد والبيهقي.

فتأمل هذا جيداً فإننا في أمس الحاجة إليه في هذه الأيام التي تلبس فيها كل من هبّ ودبّ بلباس الدعوة والدعاة.. فارجع إلى نفسك وزنها، واعرض عليها هذا الطريق وحاسبها على تقصيرها في ذلك، فإما أن تكون من قوم يصبرون على ذلك فخذها بحقها واسأل الله عز وجل أن يثبتك على ما يعقبها من بلاء.. أو إنك من قوم يخافون من أنفسهم خيفة ولا ترى من نفسك القدرة على القيام والصدع بهذه الملة فذر عنك التزيي بزي الدعاة وأغلق عليك بيتك وأقبل على خاصة أمرك ودع عنك أمر العامة.. أو اعتزل في شعب من الشعاب بغنيمات لك.. فإنه والله كما قال أسعد بن زرارة أعذر لك عند الله، نعم إن ذلك أعذر لك عند الله من أن تضحك على نفسك وعلى الناس إذ لا تقوى على القيام بملة إبراهيم فتتصدر للدعوة بطرق معوجة وتهتدي بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم مجاملاً مداهناً للطواغيت كاتماً غير مظهر للعداوة لهم، ولا لباطلهم.. فوالله ثم والله، إن الذي يعتزل في شعب من الشعاب بغنيمات لهو خير وأهدى سبيلاً منك ساعتئذ.. وصدق من قال:

الصمت أفضل من كلام مداهن نجس السريرة طيب الكلمات

عرف الحقيقة ثم حاد إلى الذي يرضي ويعجب كل طاغ عات

لا تعجبوا يا قوم ممن أخصبوا في هذه الأيام بالكلمات

وعلوا المنابر والصحائف سودوا وتقدموا في سائر الحفلات

والله ما قالوا الحقيقة والهدى كلا ولا كشفوا عن الهلكات

أنى يشير إلى الحقيقة راغب في وصل أهل الظلم والشهوات

أو طالباً للجاه في عصرية التقدير للمشهور بالنزوات

فنصيحتي يا قوم ألا تطمعوا في عصرنا بتوفر الرغبات

عيشوا لدين الله لا لحضارة محفوفة بالريب والشبهات

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:30 PM   #8


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


ولقد رأيناهم كثيراً يسخرون ممن تبينت لهم انحرافاتهم وسبلهم المعوجة، فاعرضوا عنهم وعن دعواتهم تلك التي على غير منهاج النبوة.. رأيناهم يسخرون منهم لاعتزالهم.. ويلمزونهم بالقعود والركون إلى الدنيا والتقصير في الدعوة إلى الله... وإذا كان الأمر كذلك، فأية دعوة هذه التي قصر فيها هؤلاء؟ دعوتكم هذه التي تلجون بها الجيش والشرطة، ومجالس الأمة والبرلمانات الشركية وغير ذلك من الوظائف التي تكثر سواد الظالمين، أم تلك التي تدخلون بها مجالس الفاحشة من الجامعات المختلطة والمعاهد والمدارس الفاسدة وغيرها بحجة مصلحة الدعوة فلا تظهرون دينكم الحق وتدعون فيها بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم .... أم أنهم قصروا في الدعوة الحقّة التي قصر فيها الفريقان وهي (ملة إبراهيم)، ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" ونحن نقول إن هذا الحديث في الشرق وأنتم عنه في الغرب، حيث إن المخالطة يجب أن تكون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وليس تبعاً لآرائكم وأهوائكم وأساليب دعوتكم البدعية.. فإن كانت كذلك أي على هديه صلى الله عليه وسلم حصل الأذى والأجر معاً.. وإلا فأي أجر هذا الذي ينتظره من لا يدعو بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وقد أهمل شرطاً عظيماً من شروط قبول العمل وهو (الاتباع)، وأي أذى ذلك الذي سيلاقيه من لا يظهر العداوة لأهل الفسق والفجور والعصيان، ولا يعلن البراءة من شركياتهم وطرائقهم المعوجة.. بل يجالسهم ويقر باطلهم ويبش في وجوههم، ولا يتمعر أو يغضب لله طرفة عين إذا انتهكوا حرمات الله، بحجة اللين والحكمة والموعظة الحسنة، وعدم تنفير الناس عن الدين، ومصلحة الدعوة وغير ذلك، ويهدم الدين عروة عروة بمعاول لينهم وحكمتهم البدعية.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الدرر السنية وهو يتكلم عن الصدع بالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "وترك ذلك على سبيل المداهنة والمعاشرة ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين أعظم ضرراً وأكبر إثماً من تركه لمجرد الجهالة فإن هذا الصنف رأوا أن نيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك فخالفوا الرسل وأتباعهم وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم، لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم ويسالمونهم ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله وتحمل الأذى في ذاته وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه، والعقل كل العقل ما أوصل إلى رضى الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم وعدم الغضب والاشمئزاز، وسوى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته فأي خير يبقى في قلب هذا..." اهـ. من جزء الجهاد ص35.

وتجد بعضهم يضحكون على أتباعهم من الشباب ويحاربون العزلة على الإطلاق ويردّون النصوص الثابتة في ذلك.. ويتغنّون بشعر ابن المبارك رحمه الله تعالى حين أرسل إلى الفضيل يقول:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنّك بالعبادة تلعب

من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب



... إلى آخر الأبيات.

ولو أبصرهم عابد الحرمين وأبصر دعواتهم هذه المعوجة فلعله يقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً"...

وأنا أقول: شتان بين دعواتكم وطرائقكم هذه وبين جهاد ابن المبارك وأولئك الصالحين، حتى تنافسوا بها عبادة الصالحين.. بل وربما لو أبصر ابن المبارك دعواتهم هذه لأرسل للفضيل يقول:

يا عابد الحرمين لو أبصرتهم لحمدت أنك بالعبادة غائب

من كان لا يدعو بهدي نبيه فهو الجهول بدينه يتلاعب

نعم.. إن ملة إبراهيم تكلف الكثير.. ولكن بها يتعلق نصر الله والفوز الكبير.. وبها يتميز الناس إلى فريقين.. فريق إيمان، وفريق كفر وفسوق وعصيان.. وبها يتضح أولياء الرحمن من أولياء الشيطان.. وهكذا كانت دعوة الأنبياء والمرسلين.. لم تكن عندهم هذه الأوضاع المرضية التي نعيشها اليوم من اختلاط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، ومداهنة ومجالسة أهل اللحى لأهل الفسق والفجور وإكرامهم وتقديرهم وتقديمهم على أهل التقى والصلاح.. رغم إظهار أولئك بغض الدين وعداوته بصور شتى وتربصهم بأهله الدوائر.. بل كانت دعواتهم براءة واضحة من أقوامهم المعرضين عن شرع الله، وعداوة ظاهرة لمعبوداتهم الباطلة، لا التقاء في وسط الطريق ولا مداهنة ولا مجاملة في تبليغ شرع الله...

واستمع إلى نوح في عمق الزمان، وهو يخاطب قومه وحيداً لا يخشى سلطانهم ولا طغيانهم.. يقول: ( يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم أقضوا إلي ولا تنظرون ) [يونس: 71].

وهل يقول مثل ذلك رجل مداهن لقومه... إنه كما يقول سيد قطب رحمه الله: "التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالىء يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليُغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه، فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟..." اه. كان معه الله، وكفى بالله هادياً ونصيرا... وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في مطلع هذه الآيات أن يتلو ذلك على قومه، فقال: ( واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه... ) [يونس: 71].

وانظر إلى هود صلى الله عليه وسلم وهو يواجه قومه الذين كانوا أشد الناس قوة وأعتاهم بطشاً، يواجههم وحده.. ولكن بثبات كثبات الجبال أو أشد.. استمع إليه وهو يعلن براءته واضحة جلية من شركياتهم ويسمعهم كلماته الخالدة: ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه، فكيدون جميعاً ثم لا تنظرون ) [هود: 55]. يقول لهم ذلك وهو رجل واحد... كيدوني بعددكم وجيشكم وآلهتكم الباطلة.. ( إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ) [هود: 56].

وإلى الذين يتشدقون بكثير من كلام سيد رحمه الله تعالى، في الوقت الذي يحرصون بل يتسابقون فيه على استجداء الطواغيت المعرضين عن شرع الله من أجل أن يحكموا شرع الله في بعض القضايا، أو كي يمنحوهم إذناً للدعوة إلى الله أو من أجل الحصول على مقاعد في مجالس الشرك والفسوق والعصيان... إلى هؤلاء نسوق كلام سيد حول هذه الآيات.. حيث يقول: "إنها انتفاضة التبرّؤ من القوم وقد كان منهم وكان أخاهم وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقاً.. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان.. وهو يشهد الله ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم. ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم!

وإن الإنسان ليدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفّه عقيدتهم ويقرعهم عليها، ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي، لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريّثون فيفثأ غضبهم. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وزمان بحاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا (الموقف) الباهر.. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا القليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم.. فهم العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة، والذين أبطرتهم النعمة، والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود... إنه الإيمان والثقة والاطمئنان.. الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره.. ( إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم ) [هود: 56].. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهراً.. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؟ وهي لا تسلط عليه إن سلطت إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟" أه مختصراً من الظلال.

هكذا كانت أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، مع أقوامهم المعاندين.. وهكذا كانت دعوتهم، صراع دائم مع الباطل، ووضوح في الدعوة، وإعلان للعداوة والبراءة.. ولم تعرف دعواتهم المداهنة أو الرضى عن بعض الباطل أو الالتقاء معه في وسط الطريق.

فمعاداة أهل الحق للباطل وأهله ومفارقتهم لهم قضية قديمة جداً افترضها الله منذ أن أهبط آدم صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأرض.. وشاءها الله قدراً وشرعاً ليتميز أولياؤه من أعدائه وحزبه من حربه والخبيث من الطيّب ويتخذ من المؤمنمين شهداء.. فقال جلّ وعلا: ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) [الأعراف: 24]، وعلى هذا مضت وسارت قافلة الرسل جميعاً وهذا هو دينهم كما عرفت، قال تعالى: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ) [الأنعام: 112]، وقال سبحانه: ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين ) [الفرقان: 31]، فمنهم من قص الله علينا قصصهم مع أعدائهم ومنهم من لم يقصص... ويؤيد هذا أيضاً حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... والأنبياء أولاد علاّت.." والعلة هي الضرة مأخوذة من العلل وهي الشربة الثانية بعد الأولى: وكأن الزوج قد علّ منها بعد ما كان ناهلاً من الأخرى. وأولاد العلات أولاد الضرات من رجل واحد.. يؤيد أن الأنبياء أصل دينهم ودعوتهم وطريقهم واحد وفروعهم مختلفة.

وهكذا كان خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي جاء في وصفه أنه "فرق بين الناس" رواه البخاري، وفي رواية: "فرّق بين الناس". فقد استجاب لأمر الله تعالى باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فما سكت عن الشرك وأهله أو داهنهم أو جاملهم أو غير ذلك.. بل كان في مكة على قلة اتباعه. واستضعافهم يعلن براءته من الكفار ومعبوداتهم الباطلة.. ويسفهها ويقول كما أمره الله تعالى أن يقول متبرءاً من الشرك ومصرحاً بكفر أهله وبراءتهم من دينه وبراءة دينه منهم:

( قل يا أيّها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ) [الكافرون: 1-6]. ويصرح لهم بأنه ثابت على طريقته هذه بريء ممن خالفها وأنه من المؤمنين الذين هم أعداء لهم ولدينهم: ( قل يا أيّها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تدعون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ) [يونس: 104]. ويقول تعالى مخاطباً له: ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) ويقول سبحانه معلماً المؤمنين أن يقولوا: ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) [الشورى: 51].

جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأحد أصحابه: "إقرأ ( قل يا أيّها الكافرون ) ، ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك". وجاء في "رسالة أسباب نجاة السؤول من السيف المسلول" ما ملخصه: "إن كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) قُيّدت بقيود ثقال فإمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم لم يكتف بمجرد قولها ولم تتم له المحبة والموالاة وهو إمام المحبين إلا بالمعاداة. كما يخبر تعالى عنه: (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ) [الشعراء: 77]، وهذا هو معنى قول (لا إله إلا الله) كما قال تعالى: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ) [الزخرف: 28]، فأورثها إمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم لأتباعه يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره الله بقولها كما قالها أبونا إبراهيم فأنزل الله عز وجل بها سورة كاملة هي سورة الكافرون" اه. من مجموعة التوحيد..

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:31 PM   #9


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


وقد صدع بها النبي صلى الله عليه وسلم وأعلنها وما كتمها، وتحمل هو وأصحابه ما نالهم من أذى على ذلك وما داهنهم لأجل ذلك، وحاشاه من أن يداهنهم، وإنما كان يثبت أولئك المؤمنون ويذكرهم بوعد الله تعالى وجنته، وبمواقف أهل الثبات ممن كانوا قبلهم، كقوله: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" رواه الحاكم وغيره.

وقوله لخباب: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(1).

يقول لأصحابه ذلك.. وفي الوقت نفسه يقول لقريش كما أمره الله تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ) [فصلت: 6] والآيات مكية. ويقول: ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ) [الأعراف:195- 197] والآيات مكية.

لذلك كله ولأجل أن دعوته كانت كذلك فإن الظالمين ما رضوا عنه يوماً ما، ولا طابت أنفسهم أو قرت أعينهم بدعوته.. بل ثارت ثائرتهم وقامت قيامتهم.. وكم ساوموه.. ولكنه وقف شامخاً ينظر إلى باطلهم وجموعهم التي يكيدونه بها، ويترفع مع حرصه على هدايتهم عن الالتقاء معهم على الباطل في منتصف الطريق أو اتباع قليل من بعض ما يهوونه أو يحبونه من باطلهم.. بل كان يقول لهم بعد ذلك ودائماً كما أمره ربّه أن يقول: ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) [آل عمران: 12].

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعدما ذكر بعض مواقف الصدع والثبات لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : "فهذه حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل وأوضعوا فيه وأقبلوا وأدبروا وتوددوا وداهنوا وركنوا وعظموا ومدحوا؟ فكانوا أشبه بما قال الله تعالى: ( ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً ) [الأحزاب: 14]، نسأل الله تعالى الثبات على الإسلام، ونعوذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن المعلوم أن الذين أسلموا وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به لولا أنهم تبرؤوا من الشرك وأهله وبادروا المشركين بسب دينهم وعيب آلهتهم لما تصدوا لهم بأنواع الأذى..." أه. من الدرر - جزء الجهاد ص(124).

يقول الشيخ حمد بن عتيق عند كلامه على سورة (البراءة من الشرك): "فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: دينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه وديني الذي أنا عليه أنتم براء منه، والمراد التصريح لهم بأنهم على الكفر، وإنه بريء منهم ومن دينهم، فعلى من كان متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك، ولا يكون مظهراً لدينه إلا بذلك، ولهذا لما علم الصحابة بذلك، وآذاهم المشركون، أمرهم "بالهجرة إلى الحبشة ولو وجد لهم رخصة في السكوت عن المشركين لما أمرهم بالهجرة إلى بلد الغربة" اه. من سبيل النجاة والفكاك. ص(67).

وهنا شبهة يرددها أكثر ما يرددها من لم يفقه ملة إبراهيم عليه السلام ولم يعرف مضمونها :

وذلك قول كثير من الجهال إن ملة إبراهيم منسوخة في حقنا، ويستدلون على ذلك بالأصنام التي كانت حول الكعبة والتي لم يكسرها صلى الله عليه وسلم بزعمهم طوال مكوثه في مكة عهد الاستضعاف.. حتى أنني سمعت أحد هؤلاء وهو من المشايخ المعروفين وقد ملأت كتبه الأسواق، سمعته في محاضرة مسجلة له، يتبجح ويقول ما مجمله: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم أول من أعرض عن ملة إبراهيم هذه التي تريدونها إذ جلس في مكة ثلاث عشرة سنة بين تلك الأصنام لم يحطمها..." فنقول له ولأمثاله: إن الذي صدكم عن فهم ملة إبراهيم ومعرفتها هو انكماش أفهامكم وضيق أفق أذهانكم بحصركم لها في تكسير الأصنام، وظنكم أن ملة إبراهيم التي نقصدها مستوحاة فقط من فعله صلى الله عليه وسلم حين راغ على أصنام قومه ضرباً باليمين، فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.. ولما لم يثبت عندكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك مع أصنام قومه.. أمست هذه الملة في أنظاركم الضيقة منسوخة في حقنا كلها، ولا تتناولنا في شيء من الأشياء، وبالتالي فلازم قولكم هذا أن كل ما جاء من الآيات المتقدمة الذكر في الحث على اتباع ملة إبراهيم والتحذير من الإعراض عنها وتفصيل دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، وموقفهم من أقوامهم ومواقف الأنبياء وغيرهم مع أقوامهم.. كل ذلك عبث وزيادة لا طائل تحتها ولا فائدة من ورائها في كتاب الله، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.. ورحم الله ابن القيم إذ يقول:

من كان هذا القدر مبلغ علمه فليستتر بالصمت والكتمان


وتنزه الله وتعالى عن العبث وعن أن يكون في كتابه جل وعلا ما لا فائدة من ذكره.. ومثل هذه الأغاليط ليست من الشبهات التي تستحق طول الرد والتفصيل وما هي إلا تناقضات في أذهان أصحابها حالت دون فهمهم لهذه الملة العظيمة بتفاصيلها.. خاصة وقد علمت فيما تقدم ملة إبراهيم وفهمت مضمونها وما يراد بها.. فعلمت أنها أصل الإسلام ومعنى لا إله إلا الله وأن فيها ما حوته هذه الكلمة من النفي والإثبات وهما التبرؤ من الشرك وأهله وإظهار العداوة لهم، وإخلاص العبادة لله وحده وموالاة أوليائه، وعلمت أن هذا أصل الدين فهو شرع محكم لو اجتمع على دفعه من بأقطارها من عالم وجاهل لما قدروا على رده بحجة أصلاً، وبيّنا لك أن الله تعالى ذكر لنا حال إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين مع قومهم، وكيف تبرؤوا منهم وأظهروا لهم العداوة والبغضاء.. وأنه سبحانه قال قبل ذكر موقفهم هذا مباشرة: ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه بعد ذلك أيضاً: ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) [الممتحنة: 6]، ثم قال سبحانه.. وتنبه لما قال: ( ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ) [الممتحنة: 6]، وعلمت أيضاً أن هذا هو أصل ملة إبراهيم التي نقصدها وندعو إليها ونرى أكثر أهل الأرض مقصرين فيها.. وعلمت أنها الطريق الذي فيه نصر الله عز وجل وإعزاز دينه وتحطيم الشرك وأهله.. وإذا كان الأمر كذلك.. فالرد على هذه الطريق إذاً يكون بأن يصحح ذلك الشيخ عبارته المذكورة فيقول: "إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث عشرة سنة في مكة بين تلك الأصنام لا يتبرأ منها ولا يظهر الكفر بها والعداوة لها" ليقال له بعدها؛ عد نفسك نصرانياً أو يهودياً أو مجوسياً، أو ما شئت، أما ملة الإسلام فقل لها عليك السلام...

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
قديم 04-08-2004, 01:31 PM   #10


 رقم العضوية :  4
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  6,182
 العمر :  36
 عدد النقاط :  32
 قوة التقييم :  أمـ جود ـ is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أمـ جود ـ
 تفاصيل مشاركات » أمـ جود ـ
 أوسمة و جوائز » أمـ جود ـ
 معلومات الاتصال بـ أمـ جود ـ

افتراضي


ونقول: أما تحطيم الأصنام حقيقة وحسياً كما فعل إبراهيم فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل شيئاً منه حينما تمكن من ذلك وقدر عليه في غفلة من كفار قريش، ولا أعني بعد الفتح بل في مكة في عهد الاستضعاف، كما روى الإمام أحمد وأبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلس وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفاً فنزل وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال: اصعد على منكبي. قال فصعدت على منكبيه، قال فنهض بي قال فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقذف به فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس" وبوّب له الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب تكسيره صلى الله عليه وسلم الأصنام) وذكر رواية "كان على الكعبة أصنام فذهبت أحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أستطع فحملني فجعلت أقطعها..." وفي رواية زاد "فلم يوضع عليها بعد، يعني شيئاً من تلك الأصنام" قال: ورجال الجميع ثقات.. وذكره أبو جعفر الطبري في (تهذيب الآثار) وتكلم على بعض الفوائد الفقهية فيه، أنظر ص236 إلى ص243 من مسند علي فيه..

لذلك فنحن لا نتحرج أبداً من القول بأن ذلك مطلوب منا أيضاً حال القدرة عليه في عهد الاستضعاف وغيره.. سواء كان ذلك الصنم تمثالاً أو قبراً أو طاغوتاً أو نظاماً.. أو غيره، حسب تنوع الصور واختلافها في كل زمان ومكان.. وأقصد بذلك الجهاد والقتال وهو أعلى مراتب إظهار العداوة والبغضاء لأعداء الله...

ومع ذلك نقول لو سلمنا جدلاً أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحطيم الأصنام في مكة زمن الاستضعاف.. فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان متبعاً لملة إبراهيم أشد الاتباع آخذاً بها بقوة.. فما داهن الكفار لحظة واحدة وما سكت عن باطلهم أو عن آلهتهم.. بل كان همه وشغله الشاغل في تلك الثلاث عشرة سنة بل وغيرها هو (اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [النحل: 36].

فلا يعني كونه جلس بينها تلك الثلاث عشرة سنة أنه مدحها أو أثنى عليها أو أقسم على احترامها كما يفعل كثير من الجهال المنتسبين إلى الدعوة مع الياسق العصري في هذا الزمان.. بل كان يعلن براءته من المشركين وأعمالهم، ويبدي كفره بآلهتهم رغم استضعافه واستضعاف أصحابه.. وقد فصّلنا لك هذا فيما مضى ولو تأملت القرآن المكي، لوضح لك مثل ذلك الكثير.. منه على سبيل المثال، قوله تعالى واصفاً حال نبيه صلى الله عليه وسلم في مكة مع الكفار: ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا. أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) [الأنبياء: 36]، قال ابن كثير: "يعنون أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم.. إلى غير ذلك".

وإليك أيضاً ما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح في صفته وحاله صلى الله عليه وسلم في مكة زمن الاستضعاف.. تأمّله وتدبّره وانظر كيف يصف الكفار نبينا صلى الله عليه وسلم بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وو.. وانظر إليهم وهو يحيطون به وحيداً فريداً يقررونه بما يقول ويقولون له: "أنت الذي تقول كذا وكذا؟؟" فيرد عليهم دون مداهنة أو مهابة أو خوف أو وجل، بل بكل صلابة وثبات ووضوح: "نعم، أنا الذي أقول ذلك".

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال يعقوب: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا. وشتم آبائنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم، غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فمر بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: "تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح" فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشداً، فوالله ما كنت جهولاً، قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه! فبينما هم في ذلك، إذ طلع [عليهم] رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم، أنا الذي أقول كذا، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، دونه يقول وهو يبكي: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟". ثم انصرفوا عنه فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط" اه. (7036 من المسند تحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح) وهو كما قال. وفي رواية أخرى في المسند أيضاً (2/204) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المرة الثانية في صلاة عند الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم".

فتأمّل حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفته الملائكة كما في صحيح البخاري: "أنه صلى الله عليه وسلم فرّق بين الناس" تأمل حاله هذه مع كفار زمانه وكيف أنها عداوة ظاهرة لكل من عادى الدين، وافتراق طريق، وبراءة واضحة.. وليس كأوضاع أهل زماننا الشاذة من ركون أهل الدين لأهل الباطل.. داهنوهم وجاملوهم بل وآزروهم وناصروهم ولم تعد القضية قضية عداوة ولا براءة، بل تعاون وتكاتف لصالح الوطن والمجتمع وجلسوا في أحضانهم ورضعوا من ألبانهم.. فالله المستعان

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن وهو يتكلم عن أمثال هؤلاء: "خاضوا في غمرات الافتتان واطمأنت قلوبهم إلى أهل الظلم والعدوان، وأكثروا التردد عليهم والمسير إليهم طوعاً واختياراً وتعرضوا لما في أيديهم من حطام الدنيا سراً وجهاراً، فأين القلب المطمئن بالإيمان إذا كان مدعيه يجري مع الهوى في كل ميدان، فما أشبه حال هذا وأمثاله بالضرب الذين ذكرهم العلامة ابن القيم رحمه الله وهم الذين لهم أوفر نصيب من قوله تعالى: ( ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) [آل عمران: 188]، يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة، ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص، وهذا يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والعبادة عن الصراط المستقيم" اه الدرر - جزء الجهاد ص127.

أمـ جود ـ غير متواجد حالياً
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:36 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
جميع الحقوق محفوظة لـ : منتديات العبير
المحتوى المنشور فى موقع العبير لايعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة وإنما يعبر عن وجهة نظر كاتبها