۩ ۞ ۩ مجلس القرآن الكريم وعلومه ۩ ۞ ۩ آداب تلاوة القرآن الكريم - تحفيظ القرآن الكريم - تجويد - تسميع


عدد مرات النقر : 21,384
عدد  مرات الظهور : 35,297,670

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-07-2011, 03:54 PM   #1
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

Ahmed25 تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..






السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


تفسير سورة البقرة


الجزء الأول
جزئية الاسبوع الأول


اليوم الأول :سورة البقرة من (1_5)


بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الم﴿١﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾


وهي مدنية
تقدم الكلام على البسملة‏.‏ وأماالحروف المقطعة في أوائل السور‏,‏ فالأسلم فيها‏,‏ السكوت عن التعرض لمعناها ‏[‏من غير مستند شرعي‏]‏‏,‏ مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثًا بل لحكمة لانعلمها‏.‏
وقوله‏{‏ذَلِكَ الْكِتَابُ‏}‏

أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة‏,‏ المشتمل على ما لمتشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم‏,‏ والحق المبين‏.‏ فـ
{‏لَا رَيْبَ فِيهِ‏}
ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه‏,‏ يستلزم ضده‏,‏ إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب‏.‏ وهذه قاعدةمفيدة‏,‏ أن النفي المقصود به المدح‏,‏ لا بد أن يكون متضمنا لضدة‏,‏ وهو الكمال‏,‏لأن النفي عدم‏,‏ والعدم المحض‏,‏ لا مدح فيه‏.‏
فلما اشتمل على اليقين وكانت الهدايةلا تحصل إلا باليقين قال‏:‏ {‏هُدًى لِلْمُتَّقِينَ‏}

والهدى‏:‏ ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة‏.‏ وقال ‏{‏هُدًى‏}‏ وحذف المعمول‏,‏ فلم يقل هدى للمصلحةالفلانية‏,‏ ولا للشيء الفلاني‏,‏ لإرادة العموم‏,‏ وأنه هدى لجميع مصالح الدارين،فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية‏,‏ ومبين للحق من الباطل‏,‏ والصحيحمن الضعيف‏,‏ ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم‏,‏ في دنياهم وأخراهم‏.‏
وقالفي موضع آخر‏:‏ ‏{‏هُدًى لِلنَّاسِ‏}‏ فعمم‏.‏ وفي هذا الموضع وغيره ‏{‏هُدًى لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق‏.‏ فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا‏.‏ولم يقبلوا هدى الله‏,‏ فقامت عليهم به الحجة‏,‏ ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأماالمتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر‏,‏ لحصول الهداية‏,‏ وهو التقوى التي حقيقتها‏:‏اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه‏,‏ بامتثال أوامره‏,‏ واجتناب النواهي‏,‏ فاهتدوابه‏,‏ وانتفعوا غاية الانتفاع‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْلَكُمْ فُرْقَانًا‏}فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية‏,‏والآيات الكونية‏.‏
ولأن الهداية نوعان‏:‏ هدايةالبيان‏,‏ وهداية التوفيق‏.‏ فالمتقون حصلت لهم الهدايتان‏,‏ وغيرهم لم تحصل لهمهداية التوفيق‏.‏ وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها‏,‏ ليست هداية حقيقية‏[‏تامة‏]‏‏.‏
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمالالباطنة‏,‏ والأعمال الظاهرة‏,‏ لتضمن التقوى لذلك فقال‏:‏
{‏الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏}

حقيقة الإيمان‏:‏ هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل‏,‏ المتضمن لانقيادالجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس‏,‏ فإنه لا يتميز بهاالمسلم من الكافر‏.‏ إنما الشأن في الإيمان بالغيب‏,‏ الذي لم نره ولم نشاهده‏,‏وإنما نؤمن به‏,‏ لخبر الله وخبر رسوله‏.‏ فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم منالكافر‏,‏ لأنه تصديق مجرد لله ورسله‏.‏ فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به‏,‏ أوأخبر به رسوله‏,‏ سواء شاهده‏,‏ أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله‏,‏ أو لم يهتد إليهعقله وفهمه‏.‏ بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية‏,‏ لأن عقولهم القاصرةالمقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم‏,‏ ومرجتأحلامهم‏.‏ وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله‏.‏
ويدخلفي الإيمان بالغيب‏,‏ ‏[‏الإيمان بـ‏]‏ بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضيةوالمستقبلة‏,‏ وأحوال الآخرة‏,‏ وحقائق أوصاف الله وكيفيتها‏,‏ ‏[‏وما أخبرت بهالرسل من ذلك‏]‏ فيؤمنون بصفات الله ووجودها‏,‏ ويتيقنونها‏,‏ وإن لم يفهمواكيفيتها‏.‏
ثم قال‏:‏ {‏وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ‏}

لم يقل‏:‏ يفعلون الصلاة‏,‏ أو يأتون بالصلاة‏,‏ لأنه لا يكفي فيها مجردالإتيان بصورتها الظاهرة‏.‏ فإقامة الصلاة‏,‏ إقامتها ظاهرا‏,‏ بإتمام أركانها‏,‏وواجباتها‏,‏ وشروطها‏.‏ وإقامتها باطنا بإقامة روحها‏,‏ وهو حضور القلب فيها‏,‏وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ‏}وهي التي يترتب عليها الثواب‏.‏ فلا ثواب للإنسان من صلاته‏,‏ إلا ما عقل منها،ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ‏}
‏ يدخل فيه النفقات الواجبةكالزكاة‏,‏ والنفقة على الزوجات والأقارب‏,‏ والمماليك ونحو ذلك‏.‏ والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير‏.‏ ولم يذكر المنفق عليهم‏,‏ لكثرة أسبابه وتنوع أهله‏,‏ولأن النفقة من حيث هي‏,‏ قربة إلى الله، وأتى بـ ‏"‏من‏"‏ الدالة على التبعيض‏,‏لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم‏,‏ غير ضار لهم ولا مثقل‏,‏ بلينتفعون هم بإنفاقه‏,‏ وينتفع به إخوانهم‏.‏
وفي قوله‏:‏ ‏{‏رَزَقْنَاهُمْ‏}‏إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم‏,‏ ليست حاصلة بقوتكم وملككم‏,‏ وإنما هيرزق الله الذي خولكم‏,‏ وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده‏,‏ فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم‏,‏ وواسوا إخوانكم المعدمين‏.‏
وكثيرًا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن‏,‏ لأن الصلاة متضمنةللإخلاص للمعبود‏,‏ والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبدإخلاصه للمعبود‏,‏ وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرينمنه‏,‏ فلا إخلاص ولا إحسان‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏}

وهو القرآن والسنة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول‏,‏ ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه‏,‏فيؤمنون ببعضه‏,‏ ولا يؤمنون ببعضه‏,‏ إما بجحده أو تأويله‏,‏ على غير مراد اللهورسوله‏,‏ كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة‏,‏ الذين يؤولون النصوص الدالة علىخلاف قولهم‏,‏ بما حاصله عدم التصديق بمعناها‏,‏ وإن صدقوا بلفظها‏,‏ فلم يؤمنوابها إيمانا حقيقيا‏.‏
وقوله‏:‏ {‏وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ‏}
يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمنالإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه‏,‏ خصوصًا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}
و ‏"‏الآخرة‏"‏ اسم لما يكون بعدالموت، وخصه ‏[‏بالذكر‏]‏ بعد العموم‏,‏ لأن الإيمان باليوم الآخر‏,‏ أحد أركانالإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و ‏"‏اليقين‏"‏ هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك‏,‏ الموجب للعمل‏.‏
‏{‏أُولَئِكَ‏}‏أي‏:‏
الموصوفون بتلك الصفات الحميدة
{‏عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ‏} أي‏:‏ على هدى عظيم‏,‏ لأنالتنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحةوالأعمال المستقيمة، وهل الهداية ‏[‏الحقيقية‏]‏ إلا هدايتهم، وما سواها ‏[‏مماخالفها‏]‏، فهو ضلالة‏.‏
وأتى بـ ‏"‏على‏"‏ في هذا الموضع‏,‏الدالة على الاستعلاء‏,‏ وفي الضلالة يأتي ب ـ ‏"‏في‏"‏ كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ‏}‏ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى‏,‏ مرتفع به‏,‏ وصاحب الضلال من غمس فيه محتقر‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}

والفلاح ‏[‏هو‏]‏ الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنهلا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم‏,‏ وما عدا تلك السبيل‏,‏ فهي سبل الشقاءوالهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك‏.

يتبع بإذن الله
ارجوا عدم الرد حتى اكمال تفسير الجزء الأول..
اللهم صل وسلم وبارك على نبينامحمد






نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
رسالة لكل زوار منتديات العبير

عزيزي الزائر أتمنى انك استفدت من الموضوع و لكن من اجل منتدى ارقي و ارقي برجاء عدم نقل الموضوع و يمكنك التسجيل معنا و المشاركة معنا و النقاش في كافه المواضيع الجاده اذا رغبت في ذلك فانا لا ادعوك للتسجيل بل ادعوك للإبداع معنا . للتسجيل اضغظ هنا .

قديم 30-07-2011, 05:14 PM   #2
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الثاني :سورة البقرة من (6_16)
إِنَّ الَّذِينَكَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَايُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖوَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾ وَمِنَ النَّاسِمَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّاأَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُمَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا قِيلَلَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَالسُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾




‏6 ـ 7‏]‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}
فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقًا‏,‏ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْلَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}يخبرتعالى أن الذين كفروا‏,‏ أي‏:‏ اتصفوا بالكفر‏,‏ وانصبغوا به‏,‏ وصار وصفًا لهم لازمًا‏,‏ لا يردعهم عنه رادع‏,‏ ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون على كفرهم‏,‏فسواء عليهم أأنذرتهم‏,‏ أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة الكفر‏:‏ هو الجحود لماجاء به الرسول‏,‏ أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة‏,‏وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إيمانهم‏,‏ وأنك لا تأس عليهم‏,‏ ولا تذهب نفسك عليهم حسرات‏.‏
ثم ذكر الموانع المانعة لهم منالإيمان فقال‏:‏ ‏{‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ‏}أي‏:‏ طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان‏,‏ ولا ينفذ فيها، فلايعون ما ينفعهم‏,‏ ولا يسمعون ما يفيدهم‏.‏
{‏وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ‏}أي‏:‏ غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن النظر الذي ينفعهم‏,‏ وهذه طرق العلم والخير‏,‏ قد سدت عليهم‏,‏ فلا مطمع فيهم‏,‏ ولا خير يرجى عندهم، وإنما منعوا ذلك‏,‏ وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوابِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}وهذا عقاب عاجل‏.‏
ثم ذكر العقاب الآجل، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}وهو عذاب النار‏,‏ وسخط الجبارالمستمر الدائم‏.‏
ثم قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر فقال‏:‏
‏[‏8 ـ 10‏]‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِالْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُواوَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌفَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوايَكْذِبُونَ‏}
واعلم أن النفاق هو‏:‏ إظهار الخيروإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف النفاق الاعتقادي‏,‏ والنفاق العملي، كالذي ذكرالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله‏:‏ ‏(‏آية المنافق ثلات‏:‏ إذا حدث كذب‏,‏وإذا وعد أخلف‏,‏ وإذا اؤتمن خان‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏وإذا خاصم فجر‏)‏‏.‏
وأماالنفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام‏,‏ فهو الذي وصف الله به المنافقين فيهذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودًا قبل هجرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏[‏من مكة‏]‏ إلى المدينة‏,‏ وبعد أن هاجر‏,‏ فلما كانت وقعة ‏"‏بدر‏"‏ وأظهر اللهالمؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم‏,‏ فأظهر بعضهم الإسلام خوفًاومخادعة‏,‏ ولتحقن دماؤهم‏,‏ وتسلم أموالهم‏,‏ فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهرأنهم منهم‏,‏ وفي الحقيقة ليسوا منهم‏.‏
فمن لطف الله بالمؤمنين‏,‏ أن جلاأحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها‏,‏ لئلا يغتر بهم المؤمنون‏,‏ ولينقمعوا أيضًاعن كثير من فجورهم ‏[‏قال تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌتُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ‏}‏ فوصفهم الله بأصل النفاق فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِالْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ‏}فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم،فأكذبهم الله بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ لأن الإيمان الحقيقي‏,‏ ما تواطأعليه القلب واللسان‏,‏ وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين‏.‏
والمخادعة‏:‏ أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئًا‏,‏ ويبطن خلافه لكي يتمكن منمقصوده ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون‏,‏ سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك‏,‏ فعادخداعهم على أنفسهم، فإن هذا من العجائب؛ لأن المخادع‏,‏ إما أن ينتج خداعه ويحصل لهما يريد أو يسلم‏,‏ لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم‏,‏ وكأنهم يعملون مايعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا يتضرر بخداعهم‏[‏شيئًا‏]‏ وعباده المؤمنون‏,‏ لا يضرهم كيدهم شيئًا، فلا يضر المؤمنين أن أظهرالمنافقون الإيمان‏,‏ فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم‏,‏ وصار كيدهم في نحورهم‏,‏وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا‏,‏ والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنينمن القوة والنصرة‏.‏
ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع‏,‏ بسبب كذبهم وكفرهم وفجورهم‏,‏ والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لايشعرون بذلك‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏}‏ والمراد بالمرض هنا‏:‏ مرض الشكوالشبهات والنفاق، لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله‏:‏ مرض الشبهات الباطلة‏,‏ ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك والبدع‏,‏ كلهامن مرض الشبهات، والزنا‏,‏ ومحبة ‏[‏الفواحش و‏]‏ المعاصي وفعلها‏,‏ من مرض الشهوات، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}وهي شهوة الزنا،والمعافى من عوفي من هذين المرضين‏,‏ فحصل له اليقين والإيمان‏,‏ والصبر عن كلمعصية‏,‏ فرفل في أثواب العافية‏.‏
وفي قوله عن المنافقين‏:‏ ‏{‏فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا‏}بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين‏,‏ وأنه بسبب ذنوبهم السابقة‏,‏ يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوابِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ‏}‏ وقال تعالى‏:‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًاإِلَى رِجْسِهِمْ‏}‏ فعقوبة المعصية‏,‏ المعصية بعدها‏,‏ كما أن من ثوابالحسنة‏,‏ الحسنة بعدها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى‏}

‏[‏11 ـ 12‏]‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُواإِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَايَشْعُرُونَ‏}
أي‏:‏ إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض‏,‏ وهو العمل بالكفر والمعاصي‏,‏ ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين{‏قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ‏}فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض‏,‏ وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح‏,‏ قلبا للحقائق‏,‏ وجمعابين فعل الباطل واعتقاده حقًا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية‏,‏ مع اعتقادأنها معصية فهذا أقرب للسلامة‏,‏ وأرجى لرجوعه‏.‏
ولما كان في قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ‏}حصر للإصلاح في جانبهم ـ وفيضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح ـ قلب الله عليهم دعواهم بقوله‏:‏ ‏{‏ألا إنهم هم المفسدون‏}فإنه لا أعظم فسادًا ممن كفر بآيات الله‏,‏ وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه‏,‏ ووالى المحاربين لله ورسوله‏,‏وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح‏,‏ فهل بعد هذا الفساد فساد‏؟‏ ولكن لا يعلمون علمًاينفعهم‏,‏ وإن كانوا قد علموا بذلك علما تقوم به عليهم حجة الله، وإنما كان العمل بالمعاصي في الأرض إفسادًا‏,‏ لأنه يتضمن فساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثماروالأشجار‏,‏ والنبات‏,‏ بما يحصل فيها من الآفات بسبب المعاصي، ولأن الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة الله والإيمان به‏,‏ لهذا خلق الله الخلق‏,‏ وأسكنهم في الأرض‏,‏ وأدر لهم الأرزاق‏,‏ ليستعينوا بها على طاعته ‏[‏وعبادته‏]‏، فإذا عمل فيها بضده‏,‏ كان سعيا فيها بالفساد فيها‏,‏ وإخرابا لها عما خلقت له‏.‏

[‏13‏]‏ ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواأَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ‏}
أي‏:‏ إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس‏,‏أي‏:‏ كإيمان الصحابة رضي الله عنهم، وهو الإيمان بالقلب واللسان‏,‏ قالوا بزعمهم الباطل‏:‏ أنؤمن كما آمن السفهاء‏؟‏ يعنون ـ قبحهم الله ـ الصحابة رضي الله عنهم‏,‏بزعمهم أن سفههم أوجب لهم الإيمان‏,‏ وترك الأوطان‏,‏ ومعاداة الكفار، والعقل عندهميقتضي ضد ذلك‏,‏ فنسبوهم إلى السفه‏;‏ وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحجى والنهى‏.‏
فرد الله ذلك عليهم‏,‏ وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة‏,‏ لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه‏,‏ وسعيه فيما يضرها‏,‏ وهذه الصفة منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أن العقل والحجا‏,‏ معرفة الإنسان بمصالح نفسه‏,‏ والسعي فيما ينفعه‏,‏ و‏[‏في‏]‏ دفع ما يضره، وهذه الصفة منطبقة على‏[‏الصحابة و‏]‏المؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاف والبرهان‏,‏ لا بالدعاوى المجردة‏,‏ والأقوال الفارغة‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏[‏14 ـ 15‏]‏ ‏{‏وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاإِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}
هذامن قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و‏[‏ذلك‏]‏ أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين‏,‏أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم‏,‏ فإذا خلوا إلى شياطينهم ـ أي‏:‏ رؤسائهم وكبرائهم في الشر ـ قالوا‏:‏ إنا معكم في الحقيقة‏,‏ وإنما نحن مستهزءون بالمؤمنين بإظهارنا لهم‏,‏ أنا على طريقتهم، فهذه حالهم الباطنة والظاهرة‏,‏ ولا يحيق المكرالسيئ إلا بأهله‏.‏
قال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏}وهذا جزاء لهم‏,‏ على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أنزين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة‏,‏ حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين‏,‏لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة‏,‏ أنه يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا‏,‏ فإذا مشي المؤمنون بنورهم‏,‏ طفئ نور المنافقين‏,‏ وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين‏,‏ فما أعظم اليأس بعد الطمع،{‏يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُم ْفَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ‏}‏ الآية‏.‏
قوله‏:‏ ‏{‏وَيَمُدُّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يزيدهم ‏{‏فِيطُغْيَانِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ فجورهم وكفرهم، ‏{‏يَعْمَهُونَ‏}‏ أي‏:‏ حائرون مترددون‏,‏وهذا من استهزائه تعالى بهم‏.‏
ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم‏:‏
‏[‏16‏]‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَارَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}
أولئك‏,‏ أي‏:‏ المنافقون الموصوفون بتلك الصفات{‏الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى‏}أي‏:‏ رغبوافي الضلالة‏,‏ رغبة المشتري بالسلعة‏,‏ التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة‏.‏ وهذا من أحسن الأمثلة‏,‏ فإنه جعل الضلالة‏,‏ التي هي غاية الشر‏,‏كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم‏,‏ فبئس التجارة‏,‏ وبئس الصفقة صفقتهم وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا‏,‏ فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما‏؟‏ فكيفمن بذل الهدى في مقابلة الضلالة‏,‏ واختار الشقاء على السعادة‏,‏ ورغب في سافل الأمور عن عاليها ‏؟‏ فما ربحت تجارته‏,‏ بل خسر فيها أعظم خسارة‏.‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ‏}‏‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}تحقيق لضلالهم‏,‏ وأنهم لم يحصللهم من الهداية شيء‏,‏ فهذه أوصافهم القبيحة‏.‏

يتبع بإذن الله

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 30-07-2011, 07:03 PM   #3
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الثالث :سورة البقرة من (17_24)

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّـهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُالْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَاأَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾ يَا أَيُّهَاالنَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًاوَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا وَأَنتُمْتَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَافَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُواالنَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴿٢٤﴾




ثم ذكر مثلهم الكاشف لهاغاية الكشف، فقال‏:‏

‏[‏17 ـ 20‏]‏ ‏{‏مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْمَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}
أي‏:‏مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارًا، أي‏:‏ كان في ظلمة عظيمة‏,‏وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره‏,‏ ولم تكن عنده معدة‏,‏ بل هي خارجة عنه،فلما أضاءت النار ما حوله‏,‏ ونظر المحل الذي هو فيه‏,‏ وما فيه من المخاوفوأمنها‏,‏ وانتفع بتلك النار‏,‏ وقرت بها عينه‏,‏ وظن أنه قادر عليها‏,‏ فبينما هوكذلك‏,‏ إذ ذهب الله بنوره‏,‏ فذهب عنه النور‏,‏ وذهب معه السرور‏,‏ وبقي في الظلمةالعظيمة والنار المحرقة‏,‏ فذهب ما فيها من الإشراق‏,‏ وبقي ما فيها من الإحراق،فبقي في ظلمات متعددة‏:‏ ظلمة الليل‏,‏ وظلمة السحاب‏,‏ وظلمة المطر‏,‏ والظلمةالحاصلة بعد النور‏,‏ فكيف يكون حال هذا الموصوف‏؟‏ فكذلك هؤلاء المنافقون‏,‏استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين‏,‏ ولم تكن صفة لهم‏,‏ فانتفعوا بها وحقنت بذلكدماؤهم‏,‏ وسلمت أموالهم‏,‏ وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذهجم عليهم الموت‏,‏ فسلبهم الانتفاع بذلك النور‏,‏ وحصل لهم كل هم وغم وعذاب‏,‏وحصل لهم ظلمة القبر‏,‏ وظلمة الكفر‏,‏ وظلمة النفاق‏,‏ وظلم المعاصي على اختلافأنواعها‏,‏ وبعد ذلك ظلمة النار ‏[‏وبئس القرار‏]‏‏.‏
فلهذا قال تعالى ‏[‏عنهم‏]‏‏:‏‏{‏صُمٌّ‏}‏ أي‏:‏ عن سماع الخير، ‏{‏بُكْمٌ‏}‏ ‏[‏أي‏]‏‏:‏ عن النطق به،‏{‏عُمْيٌ‏}‏ عن رؤية الحق، ‏{‏فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ‏}لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه‏,‏فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال‏,‏ فإنه لا يعقل‏,‏ وهو أقربرجوعا منهم‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ‏}يعني‏:‏ أو مثلهم كصيب،أي‏:‏ كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب‏,‏ أي‏:‏ ينزل بكثرة، ‏{‏فِيهِظُلُمَاتٌ‏}‏ ظلمة الليل‏,‏ وظلمة السحاب‏,‏ وظلمات المطر، ‏{‏وَرَعْدٌ‏}‏ وهوالصوت الذي يسمع من السحاب، ‏{‏وَبَرْقٌ‏}‏ وهو الضوء ‏[‏اللامع‏]‏ المشاهد معالسحاب‏.‏
{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ‏}‏ البرق في تلك الظلمات ‏{‏مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا‏}‏ أي‏:‏وقفوا‏.‏
فهكذا حال المنافقين‏,‏ إذا سمعوا القرآن وأوامرهونواهيه ووعده ووعيده‏,‏ جعلوا أصابعهم في آذانهم‏,‏ وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعدهووعيده‏,‏ فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم‏,‏ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد‏,‏ ويجعل أصابعه في أذنيه خشيةالموت‏,‏ فهذا تمكن له السلامة‏.‏ وأما المنافقون فأنى لهم السلامة‏,‏ وهو تعالىمحيط بهم‏,‏ قدرة وعلما فلا يفوتونه ولا يعجزونه‏,‏ بل يحفظ عليهم أعمالهم‏,‏ويجازيهم عليها أتم الجزاء‏.‏
ولما كانوا مبتلين بالصمم‏,‏ والبكم‏,‏ والعمىالمعنوي‏,‏ ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ‏}أي‏:‏ الحسية‏,‏ ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية‏,‏ ليحذروا‏,‏ فيرتدعواعن بعض شرهم ونفاقهم، ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ فلا يعجزه شيء،ومن قدرته أنه إذا شاء شيئًا فعله من غير ممانع ولا معارض‏.‏

وفيهذه الآية وما أشبهها‏,‏ رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرةالله تعالى‏,‏ لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله‏:



[‏21 ـ 22‏]‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}
هذا أمر عام لكل الناس‏,‏ بأمرعام‏,‏ وهو العبادة الجامعة‏,‏ لامتثال أوامر الله‏,‏ واجتناب نواهيه‏,‏ وتصديقخبره‏,‏ فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏}
ثم استدل على وجوب عبادته وحده‏,‏ بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم‏,‏ فخلقكم بعدالعدم‏,‏ وخلق الذين من قبلكم‏,‏ وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة‏,‏ فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها‏,‏ وتنتفعون بالأبنية‏,‏ والزراعة‏,‏ والحراثة‏,‏والسلوك من محل إلى محل‏,‏ وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناءلمسكنكم‏,‏ وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم‏,‏ كالشمس‏,‏والقمر‏,‏ والنجوم‏.‏
{‏وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً‏}‏ والسماء‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ كل ماعلا فوقك فهو سماء‏,‏ ولهذا قال المفسرون‏:‏ المراد بالسماء ها هنا‏:‏ السحاب،فأنزل منه تعالى ماء، ‏{‏فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ‏}‏ كالحبوب‏,‏ والثمار‏,‏ مننخيل‏,‏ وفواكه‏,‏ ‏[‏وزروع‏]‏ وغيرها ‏{‏رِزْقًا لَكُمْ‏}‏ به ترتزقون‏,‏ وتقوتونوتعيشون وتفكهون‏.‏
{‏فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا‏}أي‏:‏ نظراء وأشباها منالمخلوقين‏,‏ فتعبدونهم كما تعبدون الله‏,‏ وتحبونهم كما تحبون الله‏,‏ وهممثلكم‏,‏ مخلوقون‏,‏ مرزوقون مدبرون‏,‏ لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا فيالأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، ‏{‏وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ أن الله ليس لهشريك‏,‏ ولا نظير‏,‏ لا في الخلق‏,‏ والرزق‏,‏ والتدبير‏,‏ ولا في العبادة فكيفتعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك‏؟‏ هذا من أعجب العجب‏,‏ وأسفه السفه‏.‏
وهذهالآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده‏,‏ والنهي عن عبادة ما سواه‏,‏ وبيان الدليلالباهر على وجوب عبادته‏,‏ وبطلان عبادة من سواه‏,‏ وهو ‏[‏ذكر‏]‏ توحيدالربوبية‏,‏ المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنهليس له شريك في ذلك‏,‏ فكذلك فليكن إقراره بأن ‏[‏الله‏]‏ لا شريك له في العبادة‏,‏وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك‏.‏
وقولهتعالى‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ يحتمل أن المعنى‏:‏ أنكم إذا عبدتم اللهوحده‏,‏ اتقيتم بذلك سخطه وعذابه‏,‏ لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أنيكون المعنى‏:‏ أنكم إذا عبدتم الله‏,‏ صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى‏,‏ وكلاالمعنيين صحيح‏,‏ وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة‏,‏ كان من المتقين، ومنكان من المتقين‏,‏ حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏
‏[‏23ـ 24‏]‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}
وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله ـ صلى الله عليهوسلم ـ وصحة ما جاء به، فقال‏:‏ ‏{‏وإن كنتم‏}‏ معشر المعاندين للرسول‏,‏ الراديندعوته‏,‏ الزاعمين كذبه في شك واشتباه‏,‏ مما نزلنا على عبدنا‏,‏ هل هو حق أوغيره‏؟‏ فها هنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم‏,‏ ليسبأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم‏,‏ لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكمبكتاب زعم أنه من عند الله‏,‏ وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه، فإن كان الأمر كماتقولون‏,‏ فأتوا بسورة من مثله‏,‏ واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكموشهدائكم‏,‏ فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصًا وأنتم أهل الفصاحة والخطابة‏,‏والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من مثله‏,‏ فهو كما زعمتم‏,‏ وإن لم تأتوابسورة من مثله وعجزتم غاية العجز‏,‏ ولن تأتوا بسورة من مثله، ولكن هذا التقييم علىوجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى‏,‏ ودليل واضح ‏[‏جلي‏]‏ على صدقه وصدق ماجاء به‏,‏ فيتعين عليكم اتباعه‏,‏ واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة‏[‏والشدة‏]‏‏,‏ أن كانت وقودها الناس والحجارة‏,‏ ليست كنار الدنيا التي إنما تتقدبالحطب‏,‏ وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله‏.‏ فاحذروا الكفربرسوله‏,‏ بعد ما تبين لكم أنه رسول الله‏.‏
وهذه الآية ونحوها يسمونها آياتالتحدي‏,‏ وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى ‏{‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوابِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}
وكيف يقدر المخلوق من تراب‏,‏ أن يكون كلامه ككلامرب الأرباب‏؟‏ أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه‏,‏ أن يأتي بكلام ككلامالكامل‏,‏ الذي له الكمال المطلق‏,‏ والغنى الواسع من كل الوجوه‏؟‏ هذا ليس فيالإمكان‏,‏ ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة ‏[‏بأنواع‏]‏ الكلام‏,‏إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء‏,‏ ظهر له الفرق العظيم‏.‏
وفيقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ‏}إلى آخره‏,‏ دليلعلى أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة‏:‏ ‏[‏هو‏]‏ الشاك الحائر الذي لم يعرفالحق من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق إن كان صادقا في طلبالحق‏.‏
وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه‏,‏ فهذا لايمكن رجوعه‏,‏ لأنه ترك الحق بعد ما تبين له‏,‏ لم يتركه عن جهل‏,‏ فلا حيلة فيه‏.‏
وكذلكالشاك غير الصادق في طلب الحق‏,‏ بل هو معرض غير مجتهد في طلبه‏,‏ فهذا في الغالب أنه لا يوفق‏.‏
وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم‏,‏دليل على أن أعظم أوصافه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيامه بالعبودية‏,‏ التي لا يلحقهفيها أحد من الأولين والآخرين‏.‏
كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ‏}‏ وفي مقام الإنزال،فقال‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىعَبْدِهِ‏}
وفي قوله‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ونحوهامن الآيات‏,‏ دليل لمذهب أهل السنة والجماعة‏,‏ أن الجنة والنار مخلوقتان خلافاللمعتزلة، وفيها أيضًا‏,‏ أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون فيالنار‏,‏ لأنه قال‏:‏ ‏{‏أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ فلو كان ‏[‏عصاة الموحدين‏]‏يخلدون فيها‏,‏ لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج والمعتزلة‏.‏
وفيهادلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه‏,‏ وهو الكفر‏,‏ وأنواع المعاصي على اختلافها

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 30-07-2011, 07:19 PM   #4
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الرابع : سورة البقرة من(25_29)


وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَـٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٨﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾




[‏25‏]‏ ‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}
لما ذكر جزاء الكافرين‏,‏ ذكر جزاء المؤمنين‏,‏ أهلالأعمال الصالحات‏,‏ على طريقته تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب‏,‏ليكون العبد راغبا راهبا‏,‏ خائفا راجيا فقال‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏يا أيهاالرسول ومن قام مقامه‏]‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا‏}‏ بقلوبهم ‏{‏وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ‏}‏ بجوارحهم‏,‏ فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة‏.‏
ووصفتأعمال الخير بالصالحات‏,‏ لأن بها تصلح أحوال العبد‏,‏ وأمور دينه ودنياه‏,‏ وحياتهالدنيوية والأخروية‏,‏ ويزول بها عنه فساد الأحوال‏,‏ فيكون بذلك من الصالحين‏,‏الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته‏.‏
فبشرهم ‏{‏أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ‏}‏ أي‏:‏ بساتين جامعة من الأشجارالعجيبة‏,‏ والثمار الأنيقة‏,‏ والظل المديد‏,‏ ‏[‏والأغصان والأفنان وبذلك‏]‏ صارتجنة يجتن بها داخلها‏,‏ وينعم فيها ساكنها‏.‏
{‏تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ‏}‏ أي‏:‏ أنهار الماء‏,‏واللبن‏,‏ والعسل‏,‏ والخمر، يفجرونها كيف شاءوا‏,‏ ويصرفونها أين أرادوا‏,‏ وتشربمنها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار‏.‏
{‏كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَاالَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ هذا من جنسه‏,‏ وعلى وصفه‏,‏ كلهامتشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة‏,‏ وليس لهم وقت خال من اللذة‏,‏ فهمدائما متلذذون بأكلها‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا‏}‏ قيل‏:‏ متشابها في الاسم‏,‏مختلف الطعوم وقيل‏:‏ متشابها في اللون‏,‏ مختلفا في الاسم، وقيل‏:‏ يشبه بعضهبعضًا‏,‏ في الحسن‏,‏ واللذة‏,‏ والفكاهة‏,‏ ولعل هذا الصحيح
ثملما ذكر مسكنهم‏,‏ وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم‏,‏ ذكر أزواجهم‏,‏ فوصفهنبأكمل وصف وأوجزه‏,‏ وأوضحه فقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ‏}‏ فلم يقل‏:‏ ‏"‏مطهرةمن العيب الفلاني‏"‏ ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق‏,‏ مطهراتالخلق‏,‏ مطهرات اللسان‏,‏ مطهرات الأبصار، فأخلاقهن‏,‏ أنهن عرب متحببات إلىأزواجهن بالخلق الحسن‏,‏ وحسن التبعل‏,‏ والأدب القولي والفعلي‏,‏ ومطهر خلقهن منالحيض والنفاس والمني‏,‏ والبول والغائط‏,‏ والمخاط والبصاق‏,‏ والرائحة الكريهة،ومطهرات الخلق أيضًا‏,‏ بكمال الجمال‏,‏ فليس فيهن عيب‏,‏ ولا دمامة خلق‏,‏ بل هنخيرات حسان‏,‏ مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن‏,‏ وقاصرات ألسنتهنعن كل كلام قبيح‏.‏
ففي هذه الآية الكريمة‏,‏ ذكر المبشِّروالمبشَّر‏,‏ والمبشَّرُ به‏,‏ والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر‏:‏ هو الرسولـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر‏:‏ هم المؤمنون العاملونالصالحات، والمبشَّر به‏:‏ هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك‏,‏هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة‏,‏ إلا بهما، وهذاأعظم بشارة حاصلة‏,‏ على يد أفضل الخلق‏,‏ بأفضل الأسباب‏.‏
وفيهاستحباب بشارة المؤمنين‏,‏ وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها ‏[‏وثمراتها‏]‏‏,‏فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان‏,‏ توفيقه للإيمان والعمل الصالح،فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذاالنعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم‏.‏

[‏26 ـ 27‏]‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مثلًامَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مثلًا يُضِلُّ بِهِ كثيرًا وَيَهْدِي بِهِ كثيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}
يقول تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مثلًا مَا‏}أي‏:‏ أيَّ مثل كان ‏{‏بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا‏}‏ لاشتمال الأمثال على الحكمة‏,‏وإيضاح الحق‏,‏ والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا‏,‏ جوابا لمن أنكر ضربالأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك‏.‏ فليس في ذلك محل اعتراض‏.‏بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم‏.‏ فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر‏.‏ ولهذاقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُالْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ‏}‏ فيتفهمونها، ويتفكرون فيها‏.‏
فإنعلموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنهاحق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربهاعبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة‏.‏
{‏وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُبِهَذَا مثلًا‏}‏ فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازدادالمؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يُضِلُّ بِهِ كثيرًا وَيَهْدِي بِهِ كثيرًا‏}‏ فهذه حالالمؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْزَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ‏}‏ فلا أعظم نعمة علىالعباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة ‏[‏وضلالة‏]‏ وزيادةشر إلى شرهم، ولقوم منحة ‏[‏ورحمة‏]‏ وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بينعباده، وانفرد بالهداية والإضلال‏.‏
ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منهتعالى فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ‏}أي‏:‏ الخارجين عن طاعة الله‏;‏ المعاندين لرسل الله‏;‏ الذين صار الفسق وصفهم‏;‏فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضتحكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة‏.‏
والفسق نوعان‏:‏ نوع مخرج من الدين، وهو الفسقالمقتضي للخروج من الإيمان‏;‏ كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج منالإيمان كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍفَتَبَيَّنُوا‏}‏ ‏[‏الآية‏]‏‏.‏
ثم وصف الفاسقين فقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِمِيثَاقِهِ‏}‏ وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذيأكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق‏;‏ بل ينقضونهاويتركون أوامره ويرتكبوننواهيه‏;‏ وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق‏.‏
{‏وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ‏}‏ وهذايدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيامبعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، ومابيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب‏;‏ وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التيأمر الله أن نصلها‏.‏
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل منهذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراءظهورهم‏;‏ معتاضين عنها بالفسق والقطيعة‏;‏ والعمل بالمعاصي‏;‏ وهو‏:‏ الإفساد فيالأرض‏.‏
فـ ‏{‏فَأُولَئِكَ‏}‏ أي‏:‏ من هذه صفته ‏{‏هُمُالْخَاسِرُونَ‏}‏ في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم‏;‏ لأن خسرانهم عام في كلأحوالهم‏;‏ ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان‏;‏ فمن لا إيمان لهلا عمل له‏;‏ وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا‏;‏ وقديكون معصية‏;‏ وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ‏}‏ فهذا عام لكل مخلوق‏;‏ إلامن اتصف بالإيمان والعمل الصالح‏;‏ والتواصي بالحق‏;‏ والتواصي بالصبر‏;‏ وحقيقةفوات الخير‏;‏ الذي ‏[‏كان‏]‏ العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه‏.‏


[‏28‏]‏ ثمقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًافَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}
هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي‏:‏كيف يحصل منكم الكفر بالله‏;‏ الذي خلقكم من العدم‏;‏ وأنعم عليكم بأصناف النعم‏;‏ثم يميتكم عند استكمال آجالكم‏;‏ ويجازيكم في القبور‏;‏ ثم يحييكم بعد البعثوالنشور‏;‏ ثم إليه ترجعون‏;‏ فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه‏;‏وتدبيره‏;‏ وبره‏;‏ وتحت أوامره الدينية‏;‏ ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي‏;‏ أفيليقبكم أن تكفروا به‏;‏ وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة‏؟‏ بل الذي يليق بكم أنتؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه‏;‏ وترجوا ثوابه‏.‏
‏[‏29‏]‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّاسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}
{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا‏}أي‏:‏ خلق لكم‏,‏ برا بكم ورحمة‏,‏ جميع ما على الأرض‏,‏ للانتفاع والاستمتاعوالاعتبار‏.‏
وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل فيالأشياء الإباحة والطهارة‏,‏ لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث‏,‏فإن ‏[‏تحريمها أيضًا‏]‏ يؤخذ من فحوى الآية‏,‏ ومعرفة المقصود منها‏,‏ وأنه خلقهالنفعنا‏,‏ فما فيه ضرر‏,‏ فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته‏,‏ منعنا من الخبائث‏,‏تنزيها لنا‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍوَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}
‏{‏اسْتَوَى‏}‏ ترد في القرآن على ثلاثة معاني‏:‏فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها‏,‏ الكمال والتمام‏,‏ كما في قوله عن موسى‏:‏{‏وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى‏}‏ وتارة تكون بمعنى‏"‏علا‏"‏ و ‏"‏ارتفع‏"‏ وذلك إذا عديت ب ـ ‏"‏على‏"‏ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم استوى على العرش‏}‏ ‏{‏لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ‏}‏ وتارة تكون بمعنى ‏"‏قصد‏"‏كما إذا عديت ب ـ ‏"‏إلى‏"‏ كما في هذه الآية، أي‏:‏ لما خلق تعالى الأرض‏,‏ قصدإلى خلق السموات ‏{‏فسواهن سبع سماوات‏}‏ فخلقها وأحكمها‏,‏وأتقنها‏,‏ ‏{‏وهو بكل شيء عليم‏}‏ فـ ‏{‏يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرجفيها‏}‏ و ‏{‏يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ‏}يعلم السر وأخفى‏.‏
وكثيرًا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما فيهذه الآية‏,‏ وكما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ‏}لأن خلقه للمخلوقات‏,‏ أدل دليل على علمه‏,‏ وحكمته‏,‏ وقدرته‏.‏

يتبع بإذن الله

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 31-07-2011, 04:10 PM   #5
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


جزئية الاسبوع الثاني



اليوم الأول :سورة البقرة من (30_37)


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣١﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٣٢﴾ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٣٣﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣٥﴾ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴿٣٦﴾ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾





[‏30 ـ 34‏]‏ ‏هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك‏,‏ وأن الله مستخلفه في الأرض‏.‏
فقالت الملائكة عليهم السلام‏:‏ ‏{‏أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا‏}بالمعاصي‏{‏وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ‏}‏ ‏[‏و‏]‏هذا تخصيص بعد تعميم‏,‏ لبيان ‏[‏شدة‏]‏ مفسدةالقتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك‏,‏ فنزهوا الباريعن ذلك‏,‏ وعظموه‏,‏ وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدةفقالوا‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ‏}أي‏:‏ ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ‏{‏وَنُقَدِّسُ لَكَ‏}‏ يحتمل أن معناها‏:‏ ونقدسك‏,‏فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون‏:‏ ونقدس لك أنفسنا، أي‏:‏نطهرها بالأخلاق الجميلة‏,‏ كمحبة الله وخشيته وتعظيمه‏,‏ ونطهرها من الأخلاق الرذيلة‏.‏
قال الله تعالى للملائكة‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَعْلَمُ‏}‏من هذا الخليفة{‏مَا لَا تَعْلَمُونَ‏}؛ لأن كلامكم بحسب ماظننتم‏,‏ وأنا عالم بالظواهر والسرائر‏,‏ وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذاالخليفة‏,‏ أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك‏,‏ إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين‏,‏ والشهداء والصالحين‏,‏ ولتظهرآياته للخلق‏,‏ ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة‏,‏كالجهاد وغيره‏,‏ وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان‏,‏وليتبين عدوه من وليه‏,‏ وحزبه من حربه‏,‏ وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه‏,‏ واتصف به‏,‏ فهذه حكم عظيمة‏,‏ يكفي بعضها في ذلك‏.‏
ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام‏,‏ فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعلهالله في الأرض‏,‏ أراد الله تعالى‏,‏ أن يبين لهم من فضل آدم‏,‏ ما يعرفون بهفضله‏,‏ وكمال حكمة الله وعلمه فـ{‏عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا‏}أي‏:‏ أسماء الأشياء‏,‏وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى‏,‏ أي‏:‏ الألفاظ والمعاني‏,‏ حتى المكبر منالأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة‏.‏
‏{‏ثُمَّ عَرَضَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ عرض المسميات‏{‏عَلَى الْمَلَائِكَةِ‏}‏ امتحانا لهم‏,‏ هل يعرفونها أم لا‏؟‏‏.‏
{‏فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}في قولكم وظنكم‏,‏ أنكم أفضل من هذا الخليفة‏.‏
‏{‏قَالُوا سُبْحَانَكَ‏}‏ أي‏:‏ ننزهك من الاعتراضمنا عليك‏,‏ ومخالفة أمرك‏.‏ ‏{‏لَا عِلْمَ لَنَا‏}‏ بوجه من الوجوه ‏{‏إِلَّامَا عَلَّمْتَنَا‏}‏ إياه‏,‏ فضلا منك وجودا، ‏{‏إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ‏}العليم الذي أحاط علمابكل شيء‏,‏ فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السموات والأرض‏,‏ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر‏.‏
الحكيم‏:‏ من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنهامخلوق‏,‏ ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة‏:‏ ولا أمر بشيء إلا لحكمة،والحكمة‏:‏ وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا‏,‏ واعترفوا بعلم الله وحكمته‏,‏وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم‏;‏ وتعليمه إياهم ما لايعلمون‏.‏
فحينئذ قال الله‏:‏ ‏{‏يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ‏}أي‏:‏ أسماءالمسميات التي عرضها الله على الملائكة‏;‏ فعجزوا عنها،{‏فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ‏}تبين للملائكة فضل آدم عليهم‏;‏ وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة،{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات وَالْأَرْضِ‏} وهو ما غاب عنا‏;‏ فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب‏;‏فالشهادة من باب أولى،{‏وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ‏}‏ أي‏:‏ تظهرون ‏{‏وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ‏}
ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم‏;‏إكراما له وتعظيما‏;‏ وعبودية لله تعالى، فامتثل وا أمر الله‏;‏ وبادروا كلهم بالسجود،‏{‏إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى‏}‏ امتنع عن السجود‏;‏واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال‏:‏ ‏{‏أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا‏}وهذا الإباء منه والاستكبار‏;‏ نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه‏;‏ فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره‏.‏
وفي هذه الآيات من العبر والآيات‏;‏ إثبات الكلام لله تعالى‏;‏ وأنه لم يزل متكلما‏;‏ يقول ما شاء‏;‏ ويتكلم بما شاء‏;‏ وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه‏;‏ التسليم‏;‏ واتهام عقله‏;‏ والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة‏;‏ وإحسانه بهم‏;‏ بتعليمهم ما جهلوا‏;‏ وتنبيههم على ما لم يعلموه‏.‏

وفيه فضيلة العلم من وجوه‏:‏
منها‏:‏ أن الله تعرف لملائكته‏;‏ بعلمه وحكمته ،ومنها‏:‏ أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم‏;‏ وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها‏:‏أن الله أمرهم بالسجود لآدم‏;‏ إكراما له‏;‏ لما بان فضل علمه، ومنها‏:‏ أنالامتحان للغير‏;‏ إذا عجزوا عما امتحنوا به‏;‏ ثم عرفه صاحب الفضيلة‏;‏ فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها‏:‏ الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن‏;‏ وبيان فضل آدم‏;‏وأفضال الله عليه‏;‏ وعداوة إبليس له‏;‏ إلى غير ذلك من العبر‏.‏

[‏35 ـ 36‏]‏ ‏{‏وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَامِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}
لما خلق الله آدم وفضله‏;‏ أتم نعمته عليه‏;‏ بأن خلق منه زوجة ليسكن إليها‏;‏ ويستأنس بها‏;‏ وأمرهما بسكنى الجنة‏;‏ والأكل منها رغدا‏;‏ أي‏:‏ واسعا هنيئا، ‏{‏حَيْثُ شِئْتُمَا‏}‏ أي‏:‏ من أصناف الثمار والفواكه‏;‏ وقال الله له‏:‏ ‏{‏إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَاتَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى‏}
{‏وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ‏}‏ نوع من أنواع شجرالجنة‏;‏ الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء ‏[‏أو لحكمة غير معلومةلنا‏]‏ ‏{‏فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ‏} دل على أنا لنهي للتحريم‏;‏ لأنه رتب عليه الظلم‏.‏
فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزينلهما تناول ما نهيا عنه‏;‏ حتى أزلهما، أي‏:‏ حملهما على الزلل بتزيينه‏.‏‏{‏وَقَاسَمَهُمَا‏}‏ بالله{‏إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ‏}فاغترا به وأطاعاه‏;‏فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد‏;‏ وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة‏.‏
{‏بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}أي‏:‏ آدم وذريته‏;‏ أعداءلإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو‏;‏ يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق‏;‏ وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا‏,‏ تحذير بني آدم من الشيطان كماقال تعالى{‏إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْلَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا‏}
ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض،فقال‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ‏}‏ أي‏:‏مسكن وقرار، ‏{‏وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}انقضاء آجالكم‏,‏ ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها‏,‏ وخلقت لكم، ففيها أن مدة هذه الحياة‏,‏ مؤقتةعارضة‏,‏ ليست مسكنا حقيقيا‏,‏ وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار‏,‏ ولا تعمرللاستقرار‏.‏
‏[‏37‏]‏ ‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ‏}‏
‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ‏}‏ أي‏:‏ تلقف وتلقن‏,‏ وألهمه الله{‏مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ‏}‏ وهي قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا‏}‏ الآية، فاعترف بذنبه وسألالله مغفرته ‏{‏فَتَابَ‏}‏ الله ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ ورحمه ‏{‏إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ‏}لمن تاب إليه وأناب‏.‏
وتوبته نوعان‏:‏ توفيقه أولا‏,‏ ثم قبوله للتوبةإذا اجتمعت شروطها ثانيًا‏.‏
‏{‏الرَّحِيمِ‏}‏ بعباده‏,‏ ومن رحمته بهم‏,‏ أن وفقهم للتوبة‏,‏ وعفا عنهم وصفح‏.‏
يتبع بإذن الله

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 31-07-2011, 04:33 PM   #6
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الثاني :سورة البقرة من (38_48)

(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤٨﴾

[‏38 ـ 39‏]‏ ‏{‏قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}
كرر الإهباط‏,‏ ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى‏}‏ أي‏:‏ أيَّ وقت وزمان جاءكم مني ـ يا معشر الثقلين ـ هدى‏,‏ أي‏:‏ رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني‏,‏ ويدنيكم مني‏;‏ ويدنيكم من رضائي، ‏{‏فمن تبع هداي‏}‏ منكم‏,‏ بأن آمن برسلي وكتبي‏,‏ واهتدى بهم‏,‏ وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب‏,‏ والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، ‏{‏فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}
وفي الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى‏}
فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء‏:‏
نفي الخوف والحزن والفرق بينهما‏,‏ أن المكروه إن كان قد مضى‏,‏ أحدث الحزن‏,‏ وإن كان منتظرًا‏,‏ أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا‏,‏ حصل ضدهما‏,‏ وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه‏,‏ حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه‏,‏ من الخوف‏,‏ والحزن‏,‏ والضلال‏,‏ والشقاء، فحصل له المرغوب‏,‏ واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه‏,‏ فكفر به‏,‏ وكذب بآياته‏.‏
فـ ‏{‏أولئك أصحاب النار‏}‏ أي‏:‏ الملازمون لها‏,‏ ملازمة الصاحب لصاحبه‏,‏ والغريم لغريمه، ‏{‏هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون‏.‏
وفي هذه الآيات وما أشبهها‏,‏ انقسام الخلق من الجن والإنس‏,‏ إلى أهل السعادة‏,‏ وأهل الشقاوة‏,‏ وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب‏,‏ كما أنهم مثلهم‏,‏ في الأمر والنهي‏.‏

ثم شرع تعالى يذكِّر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال‏:‏
‏[‏40 ـ 43‏]‏ ‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏}
{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ‏}‏ المراد بإسرائيل‏:‏ يعقوب عليه السلام، والخطاب مع فرق بني إسرائيل‏,‏ الذين بالمدينة وما حولها‏,‏ ويدخل فيهم من أتى من بعدهم‏,‏ فأمرهم بأمر عام، فقال‏:‏ ‏{‏اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ‏}وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافًا‏,‏ وباللسان ثناء‏,‏ وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه‏.‏
‏{‏وَأَوْفُوا بِعَهْدِي‏}‏ وهو ما عهده إليهم من الإيمان به‏,‏ وبرسله وإقامة شرعه‏.‏
‏{‏أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏}‏ وهو المجازاة على ذلك‏.‏
والمراد بذلك‏:‏ ما ذكره الله في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}
ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده‏,‏ وهو الرهبة منه تعالى‏,‏ وخشيته وحده‏,‏ فإن مَنْ خشِيَه أوجبت له خشيته امتثال أمره واجتناب نهيه‏.‏
ثم أمرهم بالأمر الخاص‏,‏ الذي لا يتم إيمانهم‏,‏ ولا يصح إلا به فقال‏:‏ ‏{‏وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ‏}وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمرهم بالإيمان به‏,‏ واتباعه‏,‏ ويستلزم ذلك‏,‏ الإيمان بمن أنزل عليه، وذكر الداعي لإيمانهم به، فقال‏:‏ ‏{‏مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ‏}أي‏:‏ موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب‏,‏ غير مخالف لها‏;‏ فلا مانع لكم من الإيمان به‏,‏ لأنه جاء بما جاءت به المرسلون‏,‏ فأنتم أولى من آمن به وصدق به‏,‏ لكونكم أهل الكتب والعلم‏.‏
وأيضًا فإن في قوله‏:‏ ‏{‏مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ‏}إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به‏,‏ عاد ذلك عليكم‏,‏ بتكذيب ما معكم‏,‏ لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، فتكذيبكم له تكذيب لما معكم‏.‏
وأيضًا‏,‏ فإن في الكتب التي بأيدكم‏,‏ صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به، فإن لم تؤمنوا به‏,‏ كذبتم ببعض ما أنزل إليكم‏,‏ ومن كذب ببعض ما أنزل إليه‏,‏ فقد كذب بجميعه، كما أن من كفر برسول‏,‏ فقد كذب الرسل جميعهم‏.‏
فلما أمرهم بالإيمان به‏,‏ نهاهم وحذرهم من ضده وهو الكفر به فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ‏}أي‏:‏ بالرسول والقرآن‏.
وفي قوله‏:‏ ‏{‏أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ‏}أبلغ من قوله‏:‏ ‏{‏ولا تكفروا به‏}‏ لأنهم إذا كانوا أول كافر به‏,‏ كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به‏,‏ عكس ما ينبغي منهم‏,‏ وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم‏.‏
ثم ذكر المانع لهم من الإيمان‏,‏ وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية، فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا‏}وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل‏,‏ التي يتوهمون انقطاعها‏,‏ إن آمنوا بالله ورسوله‏,‏ فاشتروها بآيات الله واستحبوها‏,‏ وآثروها‏.‏
‏{‏وَإِيَّايَ‏}‏ أي‏:‏ لا غيري ‏{‏فَاتَّقُونِ‏}‏ فإنكم إذا اتقيتم الله وحده‏,‏ أوجبت لكم تقواه‏,‏ تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل‏,‏ فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَلْبِسُوا‏}‏ أي‏:‏ تخلطوا{‏الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ‏}فنهاهم عن شيئين‏,‏ عن خلط الحق بالباطل‏,‏ وكتمان الحق؛ لأن المقصود من أهل الكتب والعلم‏,‏ تمييز الحق‏,‏ وإظهار الحق‏,‏ ليهتدي بذلك المهتدون‏,‏ ويرجع الضالون‏,‏ وتقوم الحجة على المعاندين؛ لأن الله فصل آياته وأوضح بيناته‏,‏ ليميز الحق من الباطل‏,‏ ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم‏,‏ فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم‏.‏
ومن لبس الحق بالباطل‏,‏ فلم يميز هذا من هذا‏,‏ مع علمه بذلك‏,‏ وكتم الحق الذي يعلمه‏,‏ وأمر بإظهاره‏,‏ فهو من دعاة جهنم‏,‏ لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم‏,‏ فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ‏}‏ أي‏:‏ ظاهرا وباطنا ‏{‏وَآتُوا الزَّكَاةَ‏}‏ مستحقيها، ‏{‏وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏}أي‏:‏ صلوا مع المصلين، فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآيات الله‏,‏ فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة‏,‏ وبين الإخلاص للمعبود‏,‏ والإحسان إلى عبيده، وبين العبادات القلبية البدنية والمالية‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ‏}أي‏:‏ صلوا مع المصلين‏,‏ ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها، وفيه أن الركوع ركن من أركان الصلاة لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها‏.‏



[‏44‏]‏ ‏{‏أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ‏}
{‏أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ‏}أي‏:‏ بالإيمان والخير ‏{‏وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ تتركونها عن أمرها بذلك، والحال‏:‏ ‏{‏وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}وأسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير‏,‏ وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به‏,‏ وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله‏,‏ أو نهاه عن الشر فلم يتركه‏,‏ دل على عدم عقله وجهله‏,‏ خصوصًا إذا كان عالما بذلك‏,‏ قد قامت عليه الحجة‏.‏
وهذه الآية‏,‏ وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل‏,‏ فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ‏}وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف‏,‏ والنهي عن المنكر‏,‏ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين‏:‏ أمر غيره ونهيه‏,‏ وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما‏,‏ لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين‏,‏ والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر‏,‏ فليس في رتبة الأول‏,‏ وهو دون الأخير، وأيضًا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة‏.‏
‏[‏45 ـ 48‏]‏{‏وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}‏
أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها‏,‏ والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور‏,‏ ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان‏,‏ وتنهى عن الفحشاء والمنكر‏,‏ يستعان بها على كل أمر من الأمور ‏{‏وَإِنَّهَا‏}‏ أي‏:‏ الصلاة ‏{‏لَكَبِيرَةٌ‏}‏ أي‏:‏ شاقة{‏إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ‏}فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع‏,‏ وخشية الله‏,‏ ورجاء ما عنده يوجب له فعلها‏,‏ منشرحا صدره لترقبه للثواب‏,‏ وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك‏,‏ فإنه لا داعي له يدعوه إليها‏,‏ وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه‏.‏
والخشوع هو‏:‏ خضوع القلب وطمأنينته‏,‏ وسكونه لله تعالى‏,‏ وانكساره بين يديه‏,‏ ذلا وافتقارا‏,‏ وإيمانا به وبلقائه‏.‏
ولهذا قال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَظُنُّونَ‏}‏ أي‏:‏ يستيقنون{‏أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ‏} فيجازيهم بأعمالهم{‏وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ‏}فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات‏,‏ ونفس عنهم الكربات‏,‏ وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه‏,‏ كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه‏.‏
ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته‏,‏ وعظا لهم‏,‏ وتحذيرا وحثا‏.‏
وخوفهم بيوم القيامة الذي ‏{‏لَا تَجْزِي‏}‏ فيه، أي‏:‏ لا تغني ‏{‏نَفْسٌ‏}‏ ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين ‏{‏عَنْ نَفْسٍ‏}‏ ولو كانت من العشيرة الأقربين ‏{‏شيئًا‏}‏ لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه‏.
{‏وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا‏}أي‏:‏ النفس‏,‏ شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له‏,‏ ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة،{‏وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ‏}‏ أي‏:‏ فداء{‏ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب‏}ولا يقبل منهم ذلك{‏وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}أي‏:‏ يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله‏:‏ ‏{‏لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شيئًا‏}هذا في تحصيل المنافع،{‏وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ‏}هذا في دفع المضار‏,‏ فهذا النفي للأمر المستقل به النافع‏.‏
{‏ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل‏}هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض‏,‏ كالعدل‏,‏ أو بغيره‏,‏ كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين‏,‏ لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع‏,‏ وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع‏,‏ ويدفع المضار‏,‏ فيعبده وحده لا شريك له ويستعينه على عبادته‏.‏





نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 31-07-2011, 04:41 PM   #7
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الثالث :سورة البقرة من (49_57)

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٤٩﴾ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٠﴾ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١﴾ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٥٣﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٥٤﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٥﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦﴾ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٥٧﴾

هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ‏}‏ أي‏:‏ من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك ‏{‏يَسُومُونَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ يولونهم ويستعملونهم،{‏سُوءَ الْعَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ أشده بأن كانوا ‏{‏يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ‏}‏خشية نموكم، ‏{‏وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غايةالإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم‏.‏
‏{‏وَفِي ذَلِكم‏}‏ أي‏:‏ الإنجاء ‏{‏بَلَاءٌ‏}‏أي‏:‏ إحسان ‏{‏مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏ فهذا مما يوجب عليكمالشكر والقيام بأوامره‏.‏
ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزلعليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده‏,‏ أي‏:‏ ذهابه‏.‏
‏{‏وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ‏}‏ عالمون بظلمكم‏,‏ قدقامت عليكم الحجة‏,‏ فهو أعظم جرما وأكبر إثما‏.‏
ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضًا فعفا الله عنكم بسبب ذلك ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ الله‏.‏
{‏وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً‏}‏ وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله،‏{‏فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ‏}‏ إما الموت أو الغشية العظيمة، ‏{‏وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‏}‏ وقوع ذلك‏,‏ كل ينظر إلى صاحبه، ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}
ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال‏:‏ ‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ‏}‏ وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأةوالخبز وغير ذلك‏.‏
‏{‏وَالسَّلْوَى‏}‏ طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم ‏{‏كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ‏}‏ أي‏:‏ رزقا لايحصل نظيره لأهل المدن المترفهين‏,‏ فلم يشكروا هذه النعمة‏,‏ واستمروا على قساوةالقلوب وكثرة الذنوب‏.‏
‏{‏وَمَا ظَلَمُونَا‏}‏ يعني بتلك الأفعال المخالفةلأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين‏,‏ كما لا تنفعه طاعات الطائعين، ‏{‏وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ فيعود ضرره عليهم‏



نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 31-07-2011, 04:50 PM   #8
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الرابع :سورة البقرة من (58_61)

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّـهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١﴾

[‏58 ـ 59‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَفَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}
وهذاأيضًا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه‏,‏ فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطناومسكنا‏,‏ ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل‏,‏ وهو دخول الباب ‏{‏سجدا‏}‏ أي‏:‏ خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا‏:‏ ‏{‏حِطَّةٌ‏}‏ أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته‏.‏
{‏نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ‏}‏ بسؤالكم المغفرة،‏{‏وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ‏}‏ بأعمالهم‏,‏ أي‏:‏ جزاء عاجل وآجلا‏.‏
{‏فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ منهم‏,‏ ولم يقل فبدلوا لأنهملم يكونوا كلهم بدلوا ‏{‏قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ‏}‏ فقالوا بدل حطة‏:‏ حبةفي حنطة، استهانة بأمر الله‏,‏ واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعلمن باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم‏,‏ ولما كان هذا الطغيان أكبرسبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال‏:‏ ‏{‏فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا‏}‏ منهم ‏{‏رِجْزًا‏}‏أي‏:‏ عذابا ‏{‏مِنَ السَّمَاءِ‏}‏ بسبب فسقهم وبغيهم‏.‏

[
‏60‏]‏ ‏{‏وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَالْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‏}

استسقى‏,‏ أي‏:‏ طلب لهم ماء يشربون منه‏.‏
{‏فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ‏}‏ إما حجر مخصوص معلومعنده‏,‏ وإما اسم جنس، ‏{‏فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا‏}‏ وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة، ‏{‏قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ‏}‏ منهم ‏{‏مَشْرَبَهُمْ‏}‏ أي‏:‏محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين‏,‏ فلا يزاحم بعضهم بعضًا‏,‏ بل يشربونه متهنئين لا متكدرين‏,‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب، ‏{‏وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ تخربواعلى وجه الإفساد‏.‏
‏[‏61‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍفَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ‏}
أي‏:‏ واذكروا‏,‏ إذ قلتم لموسى‏,‏ على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها، ‏{‏لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ‏}‏ أي‏:‏ جنس من الطعام‏,‏وإن كان كما تقدم أنواعا‏,‏ لكنها لا تتغير، ‏{‏فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُمِنْ بَقْلِهَا‏}‏ أي‏:‏ نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه،‏{‏وَقِثَّائِهَا‏}‏ وهو الخيار ‏{‏وَفُومِهَا‏}‏ أي‏:‏ ثومها، والعدس والبصل معروف، قال لهم موسي ‏{‏أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى‏}‏ وهو الأطعمةالمذكورة، ‏{‏بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ‏}‏ وهو المن والسلوى‏,‏فهذا غير لائق بكم، فإن هذه الأطعمة التي طلبتم‏,‏ أي مصر هبطتموه وجدتموها، وأماطعامكم الذي من الله به عليكم‏,‏ فهو خير الأطعمة وأشرفها‏,‏ فكيف تطلبون بهبدلا‏؟‏
ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلةصبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه‏,‏ جازاهم من جنس عملهم فقال‏:‏ ‏{‏وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ‏}‏ التي تشاهد على ظاهرأبدًانهم ‏{‏وَالْمَسْكَنَةُ‏}‏ بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة‏,‏ ولا لهم همم عالية‏,‏ بل أنفسهم أنفس مهينة‏,‏ وهممهم أردأ الهمم، ‏{‏وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ لم تكن غنيمتهم التيرجعوا بها وفازوا‏,‏ إلا أن رجعوا بسخطه عليهم‏,‏ فبئست الغنيمة غنيمتهم‏,‏ وبئستالحالة حالتهم‏.‏
‏{‏ذَلِكَ‏}‏ الذياستحقوا به غضبه ‏{‏بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ‏}‏ الدالاتعلى الحق الموضحة لهم‏,‏ فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم‏,‏ وبما كانوا ‏{‏يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}
وقوله‏:‏ ‏{‏بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏ زيادة شناعة‏,‏وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق‏,‏ لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم‏.‏
{‏ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا‏}‏ بأن ارتكبوا معاصي الله ‏{‏وَكَانُوايَعْتَدُونَ‏}‏ على عباد الله‏,‏ فإن المعاصي يجر بعضها بعضًا، فالغفلة ينشأ عنهاالذنب الصغير‏,‏ ثم ينشأ عنه الذنب الكبير‏,‏ ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغيرذلك‏,‏ فنسأل الله العافية من كل بلاء‏.‏
واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن‏,‏ وهذه الأفعال المذكورةخوطبوا بها وهي فعل أسلافهم‏,‏ ونسبت لهم لفوائد عديدة، منها‏:‏ أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم‏,‏ ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم‏,‏ ما يبين به لكل أحد ‏[‏منهم‏]‏ أنهم ليسوا من أهل الصبرومكارم الأخلاق‏,‏ ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهمأولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين‏؟‏‏"‏‏.‏
ومنها‏:‏ أن نعمة الله على المتقدمين منهم‏,‏ نعمةواصلة إلى المتأخرين‏,‏ والنعمة على الآباء‏,‏ نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها‏,‏لأنها نعم تشملهم وتعمهم‏.‏
ومنها‏:‏ أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم‏,‏ مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها‏,‏ حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد‏,‏ وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع‏.‏
لأنما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع‏,‏ وما يعمله من الشر يعود بضررالجميع‏.


يتبع بإذن الله

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 02-08-2011, 10:42 AM   #9
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


جزئية الاسبوع الثالث



اليوم الأول :سورة البقرة من (62_69)




إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿٦٥﴾ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٦٦﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّـهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿٦٨﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾



[‏62‏]‏ ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ‏}
وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة‏,‏ لأن الصابئين‏,‏الصحيح أنهم من جملة فرق النصارى، فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة‏,‏ واليهودوالنصارى‏,‏ والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر‏,‏ وصدقوا رسلهم‏,‏ فإن لهم الأجرالعظيم والأمن‏,‏ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسلهواليوم الآخر‏,‏ فهو بضد هذه الحال‏,‏ فعليه الخوف والحزن‏.‏
والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف‏,‏ من حيثهم‏,‏ لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد‏,‏ فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد ـ صلىالله عليه وسلم ـ وأن هذا مضمون أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام‏,‏ فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم‏,‏ لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها‏,‏ ومَنْ رحمته وسعت كل شيء‏.‏
وذلكوالله أعلم ـ أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم‏,‏ وذكر معاصيهم وقبائحهم‏,‏ ربما وقعفي بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضًا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم‏.‏ ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها‏,‏ ليتضح الحق‏,‏ ويزول التوهم والإشكال، فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين‏.‏
ثم عاد تبارك وتعالى يوبخ بني إسرائيل بما فعل سلفهم‏:‏
‏[‏63 ـ 64‏]‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَخُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}
أي‏:‏ واذكروا ‏{‏إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ‏}‏ وهو العهد الثقيل المؤكدبالتخويف لهم‏,‏ برفع الطور فوقهم وقيل لهم‏:‏ ‏{‏خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ‏}‏ من التوراة ‏{‏بِقُوَّةٍ‏}‏ أي‏:‏بجد واجتهاد‏,‏ وصبر على أوامر الله، ‏{‏وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه، ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ عذاب الله وسخطه‏,‏ أو لتكونوا من أهل التقوى‏.‏
فبعد هذا التأكيد البليغ ‏{‏تَوَلَّيْتُمْ‏}‏وأعرضتم‏,‏ وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات، ولكن ‏{‏لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}
‏[‏65 ـ 66‏]‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ‏}
أي‏:‏ولقد تقرر عندكم حالة ‏{‏الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ‏}‏ وهم الذين ذكرالله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَالْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ‏}‏ الآيات‏.‏
فأوجبلهم هذا الذنب العظيم‏,‏ أن غضب الله عليهم وجعلهم ‏{‏قِرَدَةً خَاسِئِينَ‏}‏حقيرين ذليلين‏.‏
وجعل الله هذه العقوبة ‏{‏نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ لمن حضرها من الأمم‏,‏ وبلغه خبرها‏,‏ ممن هو في وقتهم‏.‏ ‏{‏وَمَا خَلْفَهَا‏}‏ أي‏:‏ من بعدهم‏,‏ فتقوم على العباد حجة الله‏,‏ وليرتدعوا عن معاصيه‏,‏ ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات‏.‏
[‏67 ـ 74‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ *


أي‏:‏ واذكروا ما جرى لكم مع موسى‏,‏ حين قتلتم قتيلاً‏,‏ وادارأتم فيه‏,‏ أي‏:‏ تدافعتم واختلفتم في قاتله‏,‏حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد ـ لولا تبيين الله لكم ـ يحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل‏:‏ اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره‏,‏وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض‏,‏ فقالوا‏:‏ ‏{‏أَتَتَّخِذُنَاهُزُوًا‏}‏ فقال نبي الله‏:‏ ‏{‏أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏ فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه‏,‏ وهو الذي يستهزئ بالناس، وأماالعاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل‏,‏ استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه‏,‏ فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه‏,‏ والرحمة لعباده‏.‏فلما قال لهم موسى ذلك‏,‏ علموا أن ذلك صدق فقالوا‏:‏ ‏{‏ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ‏}
أي‏:‏ما سنها‏؟‏ ‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَافَارِضٌ‏}‏ أي‏:‏ كبيرة ‏{‏وَلَا بِكْرٌ‏}‏ أي‏:‏ صغيرة ‏{‏عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ‏}‏ واتركواالتشديد والتعنت‏.‏
{‏قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَإِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا‏}‏ أي‏:‏ شديد‏{‏تَسُرُّ النَّاظِرِينَ‏}‏ من حسنها‏.‏

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 02-08-2011, 10:52 AM   #10
مشرفة مجلس الشريعة


 رقم العضوية :  21996
 تاريخ التسجيل :  11-11-2008
 المشاركات :  8,689
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  3825
 قوة التقييم :  نديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud ofنديم الليل has much to be proud of
 SMS :

اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهماكما ربياني صغير اللهم اشرح لي صدري ويسرلي امري واحلل عقدتي..

 اخر مواضيع » نديم الليل
 تفاصيل مشاركات » نديم الليل
 أوسمة و جوائز » نديم الليل
 معلومات الاتصال بـ نديم الليل

افتراضي رد: تفسيرالجزء الأول من سورة البقرة للسعدي..


اليوم الثاني سورة البقرة من (70_76)


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّـهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧١﴾ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّـهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٧٢﴾ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّـهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّـهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٧٦﴾


{‏قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّالْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا‏}‏ فلم نهتد إلى ما تريد ‏{‏وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ‏}
{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ‏}‏ أي‏:‏مذللة بالعمل، ‏{‏تُثِيرُ الْأَرْضَ‏}‏ بالحراثة ‏{‏وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ‏}‏ أي‏:‏ ليست بساقية،‏{‏مُسَلَّمَةٌ‏}‏ من العيوب أو من العمل ‏{‏لَا شِيَةَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم‏.‏
{‏قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ بالبيان الواضح،وهذا من جهلهم‏,‏ وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة، فلو أنهم اعترضوا أي‏:‏ بقرة لحصل المقصود‏,‏ ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم‏,‏ ولو لم يقولوا ‏"‏إن شاءالله‏"‏ لم يهتدوا أيضًا إليها، ‏{‏فَذَبَحُوهَا‏}‏ أي‏:‏ البقرة التي وصفت بتلك الصفات، ‏{‏وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ‏}‏ بسبب التعنت الذيجرى منهم‏.‏
فلما ذبحوها‏,‏ قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها‏,‏أي‏:‏ بعضو منها‏,‏ إما معين‏,‏ أو أي عضو منها‏,‏ فليس في تعيينه فائدة‏,‏ فضربوه ببعضها فأحياه الله‏,‏ وأخرج ما كانوا يكتمون‏,‏ فأخبر بقاتله، وكان في إحيائه وهم يشاهدون ما يدل على إحياء الله الموتى، ‏{‏لعلكم تعقلون‏}‏ فتنزجرون عن ما يضركم‏.‏
{‏ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ اشتدت وغلظت‏,‏ فلم تؤثرفيها الموعظة، ‏{‏مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم‏,‏ لأن ماشاهدتم‏,‏ مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها ‏{‏كَالْحِجَارَةِ‏}‏التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار‏,‏ ذاب بخلاف الأحجار‏.‏
وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً‏}‏ أي‏:‏ إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار،وليست ‏"‏أو‏"‏ بمعنى ‏"‏بل‏"‏ ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُوَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏}‏ فبهذه الأمور فضلت قلوبكم‏.‏ ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ بل هو عالم بهاحافظ لصغيرها وكبيرها‏,‏ وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه‏.‏
واعلمأن كثيرًا من المفسرين رحمهم الله‏,‏ قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل‏,‏ ونزلوا عليها الآيات القرآنية‏,‏ وجعلوها تفسيرا لكتاب الله‏,‏ محتجين بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج‏)‏
والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة‏,‏ ولا منزلة على كتابالله‏,‏ فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك أن مرتبتها كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لا تصدقواأهل الكتاب ولا تكذبوهم‏)‏ فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها‏,‏ وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه،فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة‏,‏ التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها‏,‏ معاني لكتاب الله‏,‏ مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق‏.‏

‏{‏أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ *


هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب‏,‏ أي‏:‏ فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم‏,‏فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه‏,‏ فيضعون له معاني ما أرادهاالله‏,‏ ليوهموا الناس أنها من عند الله‏,‏ وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله‏,‏ فكيف يرجى منهم إيمان لكم‏؟‏‏!‏ فهذا من أبعد الأشياء‏.‏
ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُواآمَنَّا‏}‏ فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم‏,‏ ما ليس في قلوبهم، ‏{‏وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ‏}‏ فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي‏:‏أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم‏,‏ فيكون ذلك حجة لهم عليكم‏؟‏
يقولون‏:‏ إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق‏,‏ وماهم عليه باطل‏,‏ فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم ‏{‏أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ أفلايكون لكم عقل‏,‏ فتتركون ما هو حجة عليكم‏؟‏ هذا يقوله بعضهم لبعض‏.
يتبع بإذن الله.

نديم الليل غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة المربي الأول صلى الله عليه وسلم عبد الله الساهر مجلس الصوتيات والمرئيات 8 25-03-2014 06:17 PM
نعيش مع القرآن ( سورة البينة ) الجزء الأول أبو فاطمة مجلس الصوتيات والمرئيات 4 26-12-2013 01:50 PM
تحت مسمى " معرض الطب المنزلي الأول" المملكة تحتضن المعرض الأول للرعاية الصحية على مست سماهر الحلوه مجلس الصحة والغذاء 0 10-09-2013 10:34 AM
حكايات جدي الجزء الأول 1 hd Rassan مجلس الصوتيات والمرئيات 8 14-06-2013 09:09 PM
تفريغ شريط سنن مهجورة في رمضان للشيخ الألباني رحمه الله اديم المطر مجالسُ الدعوةِ إلى الله حُجةٌ وتاجٌ من نور 7 15-08-2012 08:11 PM


الساعة الآن 09:45 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
جميع الحقوق محفوظة لـ : منتديات العبير
المحتوى المنشور فى موقع العبير لايعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة وإنما يعبر عن وجهة نظر كاتبها