مجلس نبي الرحمة وعظماء التاريخ الاسلامي سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه


عدد مرات النقر : 18,103
عدد  مرات الظهور : 34,642,847

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-01-2019, 03:47 PM   #1


 رقم العضوية :  125373
 تاريخ التسجيل :  24-01-2019
 المشاركات :  15
 الجـنـس :  ذكر
 عدد النقاط :  10
 قوة التقييم :  أبو عُدي is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أبو عُدي
 تفاصيل مشاركات » أبو عُدي
 أوسمة و جوائز » أبو عُدي
 معلومات الاتصال بـ أبو عُدي

افتراضي رسول الله في زيارة لبنته السيدة فاطمة فوائد وحكم



رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة لبنته السيدة فاطمة

فوائد وحكم

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفُسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهْده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:
فإنَّ أصْدقَ الكلامِ كلامُ الله، وخيرَ الهدْيِ هدْيُ رسول الله، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الإخوة المؤمنون، في ظلالِ سيرةِ نبيِّنا محمد عليه الصلاة والسلام نرتوي مِن مَعينٍ لا يَنْضَب، وننْهَل مِن مَوردٍ لا يَتكَدَّر، إنه محمد رسول الله أَكْمَل الخلْق، وأَفضلُهم وأَشرفُهم وأَحبُّهم إلى الله جل وعلا، هذه الحياة الكريمة، وهذه السيرة المنيفة لِخيرِ الخلْق؛ جديرٌ بأهل الإيمان أن يتأمَّلوا فيها، وأن يَحْتَذُوا حذْوَها، وأن يَستفيدوا مِن منهاجها، ذلك أنه عليه الصلاة والسلام هو الأُسوة والقدوة، وقد أمَرَنا ربُّنا عزَّ مِن قائل، وحثَّنا على أن نقتدي ونهتدي بهدْيه عليه الصلاة والسلام، قال الله جل شأنه ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، ومهما قلَّبتَ في صفحات حياتك يا عبد الله؛ فإنك واجدٌ أن هدْي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم هو المنهاج الذي لا يَزِلُّ، والطريق الذي مَن سلَكَه لا يَضِلُّ، إنه طريق محمد عليه الصلاة والسلام، وأنتَ واجدٌ يا عبد الله أن في أخلاقه وتعاملاته ما يجعلُك تكُون على المنهج الصحيح، وتَصِلَ إلى غاياتك دون أن يكون منك خَلَلَ ولا خَطَل.

وفي هذه اللحظات نعيش وإياكم موقفًا كريمًا، فيه العديدُ من الفوائد، التي تتعلَّق بتواصُل الإنسان وتعامُله مع أهل بيته، وأيضًا ترسم مناهجًا في كيفية حلِّ المشكلات، والتعامل مع الأخطاء، وتوضِّح أيضًا طريقةً قويمة فيما ينبغي أن يكُون عليه الإنسان من التُّؤَدَة واللطف وعدَم العجَلة.

هذا الموقف ثابت في الصحيحين؛ فقد رواه الإمام البخاري في أكثرَ مِن موضع من كتابه الجامع الصحيح، حيث رواه في كتاب الصلاة، وفي كتاب الأدب، وفي كتاب الاستئذان، وفي كتاب الفضائل، لما لهذه الواقعة مِن الصلة بهذه الأمور، والفقه الذي تدل عليه.

فقد روى البخاري رحمه الله، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: ما كان لعليٍّ رضي الله عنه اسمٌ أحبَّ إليه من أبي تراب، وإنْ كان ليفرَح به إذا دُعي بها، جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيتَ فاطمة عليها السلام، فلم يجد عليًّا في البيت، فقال: ((أين ابنُ عمِّك؟)). فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبَني فخرج فلم يَقِلْ عندي [لم يَقِلْ؛ تعني: لم يَنَمْ وسَط النهار القيلولة]، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإنسان: ((انظر أين هو)) فجاء، فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع، قد سَقط رداؤه رضي الله عنه عن شِقِّه [عن جانبه] فأصابه تراب، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحه عنه وهو يقول: ((قُمْ أبا تراب، قُمْ أبا تراب))؛ أي: يا أبا تراب.

وفي رواية عند الإمام مسلم في صحيحه: فجاءه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع، وقد سَقط رداؤه عن شِقِّه فأصابه تراب، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحه عنه ويقول: (قُمْ أبا التراب، قُمْ أبا التراب)).

وسيِّدنا عليٌّ رضي الله عنه كانت هذه الكُنية أحبَّ إليه لما فيها مِن التذكير بملاطفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له، وتودُّده إليه، وقد كان لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه كنًى مشهورة فهو أبو الحسَن؛ نسبة إلى ابنه الأكبر الحسن رضي الله عنه، ويكنَّى أيضًا بأبي السِّبْطين وهما الحسن والحسين وهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسِّبْط هو: ابن البنت، لأن الحفيد هو: ابن الابن، وأما ابن البنت فيقال له سِبْط، فهما ابنا فاطمة، فهما سِبْطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الكنية الثالثة فهي أبو تراب، وكانت هذه أحبَّ إليه رضي الله عنه؛ لأن الذي كنَّاه بها هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت هذه الكُنية بهذا السبب الذي تقَّدم إيرادُه في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وهذه القصة غزيرة الفوائد، جمَّة المعاني، ينبغي أن يُستفاد منها في كلِّ ما تدلُّ عليه، ولذلك اجتهد العلماء رحمهم الله في استنباط ما فيها من الدلائل والفوائد، ولا شك أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل مواقفِه فيها غزيرة الفوائد، جمة المعاني، منهاج ينبغي أن يسلكه المؤمن.

في جملة الفوائد ينبِّه العلَّامة الكِرماني في كتابه الحافل (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري)؛ يقول: إنَّ قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة ((أين ابن عمك؟)) ويعني: زوجها عليًّا رضي الله عنه، يقول الكِرماني: فإن قلتَ لم اختار هذه العبارة، ولم يقل أين زوجك؟ أو أين علي؟ قلتُ: لعله صلى الله عليه وآله وسلم فَهِم أنه جرى بينهما شيء؛ فأراد استعطافها عليه بذكْر القرابة النَّسَبية التي بينهما. انتهى كلامه رحمه الله.

فكأنه يقول: يا ابنتي يا فاطمة، إن كان وقع بينكما شيء، فإنه غيرَ أنه زوجٌ لك فإنه ابن عمِّك، ولا شك أن للقريب ما ليس لغيره مِن الصلة والمودَّة.
فكأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يمهِّد للإصلاح بينهما؛ لأنه استشرف أن ثمة خلافًا بينهما.

وفي جملة الفوائد يقول العلَّامة العيني رحمه الله في كتابه (عُمدة القاري شرح صحيح البخاري): فيه من الفوائد: جواز دخول الوالد في بيت ولده بغير إذن زوجها.

فإن النبي عليه الصلاة والسلام دخل دون أن يكون ثمة إذنٌ مِن عليٍّ رضي الله عنه، نعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له من المكانة والمنزلة ما ليس للآباء عمومًا فهو رسول الله، لكن مما تقتضيه المروءة أن يكون الأزواج غيرَ ممانِعين في دخول آباء وأمهات أزواجهم إلى بيوتاتهم، فإنَّ للأب والأم من الفضل والشرف على هذه الزوجة بنتِهما ما ليس لغيرهما.

وفيه من الفوائد كما يقول العيني: استِعطاف الشخص على غيره بذكْر ما بينهما من القرابَة. الثالثة: فيه إباحة النوم في المسجد لغير الفقراء، ولغير الغريب.

هكذا قال رحمه الله، وهو كذلك، مع ملاحظة ما تقتضيه التنظيمات الإدارية مِن قِبل الجهات المعنيَّة؛ لأنه مع استحداث وجِدَّة الأمور، وما قد يلابس ذلك من بعض الاحتياج إلى غلق المساجد في أوقات معينة؛ حتى لا تُستغلَّ مِن قِبل ضعاف النفوس، أو مَن يريد الشر.

ويقول العيني أيضًا: فيه من الفوائد: الممازَحة للغاضب بالتكنية بغير كنية إذا كان ذلك لا يغضبه بل يؤنسه.
ويعني بهذا أن عليًّا رضي الله عنه لم يكن معروفًا بهذه الكُنية مِن قبْل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لما رآه على هذه الحال؛ خرج من داره، ومن النوم على سريره إلى النوم في المسجد وعلى التراب، فإنه أراد ملاطفتَه وممازحتَه حتى يذهب ما في نفسه مما كان من هذا الخلاف.

قال العيني: فيه من الفوائد: الخامس: مُداراة الصِّهْرِ، وتسلية أمْره في غيابه. والسادس: فيه جواز التكْنية بغير الولد؛ فإنه صلى اللَّه عليه وسلم كنَّاه: أبا تُرَاب.

وفي جملة الفوائد أيضًا، يقول الحافظ ابن حجر في كتابه (فتح الباري شرح صحيح البخاري): يُستفاد من الحديث: جواز تكْنية الشخص بأكثر من كنية، والتلقيب بلفظ الكنية وبما يُشتقُّ من حال الشخص، وأن اللقب إذا صدر من الكبير في حق الصغير تلقاه بالقبول ولو لم يكن لفظُه لفظَ مدْح، وأن مَن حمَل ذلك على التنقيص لا يُلتفت إليه.

وهنا ابن حجر يجيب على مَن يقول: إنَّ هذه الكنية ربما أدَّت إلى أن يُفهم التنقُّص لمن كُنِّي بها بالنظر إلى ملابسَة الحال، فيقول ابن حجر: إنَّ الكنية إذا صدَرت لك مِن شخص له مقامه وقَدْرُه كرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أعظمُ كبيرٍ مِن الخلْق، وأعظمُ مقدَّر منهم.

وهكذا مِن مثل الوالد فإنك تتقبلها؛ لأنها نوع مِن الملاطفة، وإضافة شيء للإنسان ينبغي أن يُحمل على الخير وعلى الفضل.

وفي هذا يقول الحافظ ابن بطال الأندلسي رحمه الله في فوائد هذه الواقعة: فيه أنَّ أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طُبع عليه البشَر مِن الغضب، وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته، ولا يعاب عليه.

والمقصود أيها الإخوة المؤمنون:
أن هذه الواقعة حملتْ هذه الفوائد الجمَّة، وفيها دلالة على كل ما تقدم، وواضح أيضًا ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان مِن الحكمة واللطف والتؤدة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سعَى إلى الصُّلح بين هذين الزوجين الكريمين؛ عليٍّ وفاطمة رضي الله عنهما، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان، أن يكون مَحْضَر خيرٍ وصُلح وبِرٍّ، وأن يُطفئ من نيران الاختلاف، وأن يُؤلِّف بين القلوب ويقرِّب بينها، وأن يُهوِّن من المشكلات، وألَّا يضخِّمها.

هكذا ينبغي أن يكون ديدن الإنسان؛ لأن الله تعالى قد أمر بذلك وحثَّ عليه كما في قوله جل وعلا: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 114].

بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بهدي النبي الكريم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلَّم على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:
فلا يَخفَى أيها الإخوة المؤمنون أن الزواج آيةٌ من آيات الله جل وعلا، ونعمةٌ من نِعَمِه أن جعل للإنسان مِن نفسه زوجًا يَسكُن إليها؛ كما جاء التنبيهُ ولفْت النظر إليه في القرآن العظيم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].

وهذه العلاقة التي كما قال الله تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾ [الفرقان: 54] قائمةٌ فيما ينبغي أن تقوم عليه على الحُبِّ والودِّ والرحمة، ولا شك أن الرجال يُخاطَبون بالمزيد في رعاية هذه الآصرة والعلاقة العميقة؛ لأن الله تعالى فوَّض إليهم بأن جعَل القوامة في أيديهم، وجعَل عقدة النكاح إليهم، فابتداءً عقدةُ النكاح إلى الولي الأب أو الأخ أو مَن ولِّي شأنَ المرأة، بأن يختار لموليته مَن هو كفؤ، فإن النكاح كما قال الحسن البصري: رقٌّ، النكاح نوع من الرق؛ لأنك إذا زوجتَ هذه المرأة لرجل فإنك تسلِّطه عليها، فلا ينبغي أن تسلِّط أحدًا إلا وعنده الرحمة والحكمة واللطف والتؤدة.

أما مَن كان عنده سرعة الغضب، والمسارعة إلى البطش، والبُعد عن الحكمة، والتوجه إلى الطيش؛ فهذا ليس بكُفؤ أن يُوَلَّى هذه المرأة، بل ينبغي أن يُبعد عنها.

ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا جاءكم مَن ترضَون دينه وخُلُقه فزوِّجوه إلا تفعلوا تكُن فتنة في الأرض وفساد كبير))، لاحظ أنه قال: ((مَن ترضَون دينه وخُلقه))، فليس الدين بكافٍ، وفي رواية: ((دينه وأمانته))، فلا بدَّ مِن الخُلق مع الدِّين؛ لأنه قد يكون الإنسان مُصلِّيًا، وقد يكون مبادرًا إلى نوافل الطاعات، لكنَّ هذه ينبغي أن يُضاف إليها حُسن الخُلق، فإن حُسن الخُلق هو الذي يضبط علاقة الإنسان مع الآخرين، ومِن المتعيِّن والوضع الطبيعي أن مَن أحسَنَ علاقته بربِّه بالتعبُّد لا بد أن ينعكس ذلك على علاقته بالناس؛ بحفظ حقوقهم، والامتناع عن ظلمهم والجور عليهم.

فيقول الحسن البصري لما استُشير فيمَن يزوَّج قال: إن النكاح رقٌّ فانظر عند مَن تُرِقُّ كريمَتَك.
وقال لما استُشير في هذا الأمر أيضًا، قال: زَوِّجْها مَن يخاف الله؛ فإنه إنْ أَحبَّها أَكْرَمَها، وإنْ أَبْغَضَها لم يظلمها.

وكثيرٌ من المشكلات اليوم، التي تكون في البيوت، إنما يزداد نطاقُها، ويَكثُر تشعُّبها بسبب البُعد عن هذا المنهاج الذي ينبغي أن يُلاحظ في حل المشكلات، فلن يخلو بيت من مشكلة؛ لأن اجتماع الزوجين اجتماعُ نفسين لكل منهما طبيعة مختلفة، ومزاج مختلف، وتوجُّه واختيارات مختلفة، فإذا لم يوجد ترتيب ومواءمة في هذه التوجُّهات النفسية، والتقلبات المزاجية وقع الخلاف.

وما أحسن ما كان من بعض السلف، كما حُكِي عن الإمام أحمد، وعن القاضي شريح، وعن غيرهما؛ أنه لما تزوَّج كما يقول الإمام أحمد بأم عبد الله قال: مكثتُ معها كذا وكذا من السنين فلم نختلف إلا مرة واحدة، وكنتُ أنا المخطئ عليها.

والسبب في هذا أنهما وَضَعا منهاجًا في التعامل، ومِن أعظمِ هذه المناهج ما قاله بعضُهم، قال لزوجه: إذا رأيتِني مُغْضَبًا فلا تُواجهيني، وإنْ رأيتُكِ مُغْضَبةً لم أُواجهْك، فإن المشكلة تكون عندما يحتدم النقاش والخلاف والغضب، وكل منهما مواجهٌ للآخر فحينئذٍ يكون الشقاق والتلفُّظُ بالكلمات التي لا ينبغي أن تكون من أحد منهما، وبينهما من العلاقة ما ليس بين أحد مِن الخلْق، وهذا ما نبَّه الله إليه في قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: 21]، ﴿ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ لا يمكن أن يكون هذا إلا بين الزوجين.

وما أجملَ وألطفَ ما نبَّه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عابَ على بعض الأزواج حدَّتهم وتَوجُّهَهم إلى الغضب الشديد القائد لهم إلى نوع من الضرب أو غيره قال: ((لعل أحدكم يَضرب امرأته، ثم يُعاشرها آخر النهار)). أو كما صح عنه عليه الصلاة والسلام.

فكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنك يا عبد الله بينك وبين زوجك مِن تلك اللحظات التي فيها الإفضاء بين بعضكما مما هو معلوم مما لا يكون إلا بينكما، ما ينبغي أن تتذكر معه في لحظة الغضب، أنه لا يصلح أن تهدم هذه المشاعر والوشائج القريبة الحميمة التي كانت بينك وبين زوجك.

وإنما يَتناسَى هذا الأمر، وهذا العهد الغليظ ﴿ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ مَن هو أقرب إلى الجحود، وأقربُ إلى التفلُّت مِن الأخلاقيات السامية.

وعودًا على بدء في قصة هذين الزوجين الكريمين: سيدنا عليّ رضي الله عنه وأرضاه، والسيدة الكريمة فاطمة الزهراء، وكيف كان حلُّ هذه المشكلة بأن انسحب عليٌّ رضي الله عنه وهو سيد الشجعان من البيت ومن مواجهة زوجه؛ تكريمًا لها وتكريمًا لأبيها، وذهب ليبيتَ ويَقيل في المسجد، ثم هذا تعامُلُ الأب الكريم والرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لاطفَ ابنته، ولم يواجهها بالمعاتبة: لم فعلت مع زوجك؟ بل أشعرها أنه في صفِّها، وفي الحين نفسه بادر لملاطفة صهره، مع علمه عليه الصلاة والسلام أن عليًّا رضي الله عنه سيستجيب له في كل ما يأمر، لكنه بادر إلى الملاطفة وإلى الحنو في مسحه التراب عن شقه رضي الله عنه، وهكذا ينبغي أن يكون الأب لطيفًا ودودًا، وأن يعلم أنه ليس من المصلحة أن يشدِّد على صهره؛ لأن الصهر تملَّكَ أغلى ما عنده بضعة فؤاده، وفلذة كبده، هذه البنت، فينبغي أن يكون لطيفًا رفيقًا كما يصنع الجراح حينما يتعامل في جراحة مخ أو أعصاب، فهذا أغلى وأغلى، وهي البنت، كل ذلك ليحفَظ لها كَنَفَها ويُبقي على بيتها، وأن لا يكون سببًا في هدمه.

وبعد أيها الإخوة المؤمنون؛ فكم نحتاج إلى هذه المنهجية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هذه المشكلات، التي فيها الحكمة والتؤدة والمبادرة إلى الإصلاح.

ألا وصلُّوا وسلِّموا على خير خلْق الله نبيِّنا محمد فقد أمَرنا ربُّنا بذلك فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم وارضَ عن خلفائه الراشدين، والأئمة المهديين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا؛ ربنا إنك رؤوف رحيم.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشِّرك والمشركين.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم احقِن دماءهم، وألِّف بين قلوبهم واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم وفِّق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، اللهم اجعلهم رحمة على رعيَّتهم، اللهم وفِّقْهم لكل خير وبرٍّ يا رب العالمين. اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، وأبعِد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين، اللهم واجْزِ وليَّ أمرنا سلمانَ بن عبد العزيز خيرَ الجزاء على ما سعى مِن نصرة شريعة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام؛ بإنشائه لمجمَّع يُعنى بحديث رسولك عليه الصلاة والسلام، اللهم اجعل ذلك في موازين حسناته، وأعنْه على كل خير وبرٍّ، واجعله رحمة وخيرًا وبرًّا على رعيته يا رب العالمين.

اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، إن بأمَّة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام من الشدة واللأواء، ومن الفرقة وتسلُّط الأعداء ما لا يَعلمه إلا أنت، ولا يَقدر على كشْفه إلا أنت، ولا نشكوه إلا إليك؛ فنسألك اللهم فرجًا عاجلًا لكل مكروب يا رب العالمين.

اللهم مَن أراد بالإسلام والمسلمين سوءًا فأشغِله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.
اللهم اغفر لنا ولوالدِينا، وارحمهم كما ربونا صغارًا.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع

أبو عُدي غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
رسالة لكل زوار منتديات العبير

عزيزي الزائر أتمنى انك استفدت من الموضوع و لكن من اجل منتدى ارقي و ارقي برجاء عدم نقل الموضوع و يمكنك التسجيل معنا و المشاركة معنا و النقاش في كافه المواضيع الجاده اذا رغبت في ذلك فانا لا ادعوك للتسجيل بل ادعوك للإبداع معنا . للتسجيل اضغظ هنا .

قديم 30-01-2019, 04:55 PM   #2


 رقم العضوية :  1
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  69,204
 الدولة :  ムレ3乃乇乇尺
 الجـنـس :  ذكر
 العمر :  37
 عدد النقاط :  243859
 قوة التقييم :  عبد الله الساهر تم تعطيل التقييم
 SMS :

حتى لو اجتهدت و قطعت فؤادك.. ووضعته للناس في طبق فضي ليرضوا عنك لن تفلح وربما لن تصل لمستوى يرضيك أنت عن نفسك فاجتهد ليكون الله وحده راضياً عنك وأغمض عينيك عن ما سواه

 اخر مواضيع » عبد الله الساهر
 تفاصيل مشاركات » عبد الله الساهر
 أوسمة و جوائز » عبد الله الساهر
 معلومات الاتصال بـ عبد الله الساهر

افتراضي رد: رسول الله في زيارة لبنته السيدة فاطمة فوائد وحكم


الله يرضى عليك وعلى والديك ويجزيكم الفردوس الأعلى
كفيت ووفيت

عبد الله الساهر متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 31-01-2019, 10:27 PM   #3
عضو مبدع


 رقم العضوية :  125009
 تاريخ التسجيل :  12-08-2018
 المشاركات :  1,932
 الجـنـس :  ذكر
 عدد النقاط :  10
 قوة التقييم :  أبو أيمن is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أبو أيمن
 تفاصيل مشاركات » أبو أيمن
 أوسمة و جوائز » أبو أيمن
 معلومات الاتصال بـ أبو أيمن

افتراضي رد: رسول الله في زيارة لبنته السيدة فاطمة فوائد وحكم


شكرا لك على الموضوع المفيد جداً

أبو أيمن غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 01-02-2019, 09:56 PM   #4


 رقم العضوية :  84468
 تاريخ التسجيل :  10-04-2011
 المشاركات :  10,121
 الجـنـس :  ذكر
 عدد النقاط :  23367
 قوة التقييم :  Rassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud ofRassan has much to be proud of
 اخر مواضيع » Rassan
 تفاصيل مشاركات » Rassan
 أوسمة و جوائز » Rassan
 معلومات الاتصال بـ Rassan

افتراضي رد: رسول الله في زيارة لبنته السيدة فاطمة فوائد وحكم


الله يجزيك خير

Rassan غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 21-02-2019, 11:56 AM   #5
مشرفة الأحتياجات الخاصة


 رقم العضوية :  57209
 تاريخ التسجيل :  17-11-2009
 المشاركات :  24,485
 الدولة :  طالبها بالحياة
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  68680
 قوة التقييم :  عزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud ofعزوف has much to be proud of
 SMS :

من الجيد اننا نكتب من خلف الشاشة ومن الجيد جدا انة لا احد يستطيع التاكد من كوننا نبكي ام لا

 اخر مواضيع » عزوف
 تفاصيل مشاركات » عزوف
 أوسمة و جوائز » عزوف
 معلومات الاتصال بـ عزوف

افتراضي رد: رسول الله في زيارة لبنته السيدة فاطمة فوائد وحكم


مشكور الله يعطيك العافية ويجزيك خير

عزوف غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 13-04-2019, 01:25 PM   #6
المراقبـ العامـ
أستغفر الله وأتوب إليه


 رقم العضوية :  38670
 تاريخ التسجيل :  09-05-2009
 المشاركات :  14,409
 الدولة :  في بيتي al3beer
 الجـنـس :  أنثى
 عدد النقاط :  226359
 قوة التقييم :  أبكاني قرآن ربي تم تعطيل التقييم
 SMS :

سيبقى هدوئي هو عتابي لكل من خاب ظني بهم .. !

 اخر مواضيع » أبكاني قرآن ربي
 تفاصيل مشاركات » أبكاني قرآن ربي
 أوسمة و جوائز » أبكاني قرآن ربي
 معلومات الاتصال بـ أبكاني قرآن ربي

افتراضي رد: رسول الله في زيارة لبنته السيدة فاطمة فوائد وحكم


جزاك الله خيرآ

وبارك فيك

أبكاني قرآن ربي متواجد حالياً
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 09:09 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
جميع الحقوق محفوظة لـ : منتديات العبير
المحتوى المنشور فى موقع العبير لايعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة وإنما يعبر عن وجهة نظر كاتبها