مجالسُ الدعوةِ إلى الله حُجةٌ وتاجٌ من نور نفحات إيمانية على مذهب أهل السنة والجماعة


عدد مرات النقر : 63,602
عدد  مرات الظهور : 46,965,599

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-11-2020, 04:50 AM   #1


 رقم العضوية :  128224
 تاريخ التسجيل :  21-11-2020
 المشاركات :  2,060
 الجـنـس :  ذكر
 عدد النقاط :  10
 قوة التقييم :  فارس العنزي is on a distinguished road
 اخر مواضيع » فارس العنزي
 تفاصيل مشاركات » فارس العنزي
 أوسمة و جوائز » فارس العنزي
 معلومات الاتصال بـ فارس العنزي

افتراضي (13) ذلكم وصاكم به الوصايا العشر



الحَجَّاج بن يوسف وسعيدُ بن جُبير:
الحجاج أميرٌ على العراق من قِبَل عبدالملك بن مروان، كان شديدًا على الناس، يقتُلُ على الشُّبهة، وينتصرُ للأمويين، وينصب العداءَ لعلي وآله، قال أهل التأريخ: اختبأ سعيدُ بن جبير من الحجَّاج مدة بمكَّة، فأرسله والي مكةَ خالدُ بن عبدالله القسريُّ مكبَّلاً إلى الحجَّاج في الكوفة، ولما قدِم على الحَجَّاج قال له: ما اسمُك؟ قال: سعيدٌ، قال: ابنُ من؟ قال: ابنُ جُبَير، قال الحجَّاج: بل أنت شقيُّ بنُ كُسَير، قال سعيد: أمِّي أعلمُ باسمي واسم أبي، قال الحجاجُ: شقِيتَ وشقيَتْ أمُّك، قال سعيد: الغيب يعلمه الله، قال الحجاج: لأوردنَّك حِياض الموت، قال سعيد: أصابت إذًا أمِّي اسمي، قال الحجاجُ: لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى، قال سعيد: لو أعلمُ أن ذلك بيدِك، لاتخذتُك إلهًا، قال الحجاج: فما قولك في محمد؟ قال سعيد: نبيُّ الرحمة وإمام الهدى، قال الحجاج: فما قولُك في الخلفاء؟ قال سعيد: لستُ عليهم بوكيل، كل امرئٍ بما كسَب رهين، قال الحجاج: أشتمُهم أم أمدَحُهم؟ قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، قال الحجاج: أيهم أعجبُ إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: عِلْم ذلك عند الذي يعلَمُ سرهم ونجواهم، قال الحجاج: صِفْ لي قولهم في علي، أفي الجنةِ هو أم في النار؟ قال سعيد: لو دخلتُ الجنة فرأيتُ أهلها علمتُ، ولو رأيت مَن في النار علمتُ، فما سؤالُك عن غيبٍ قد حُفِظ بالحجاب؟!
قال الحجاج: فأيُّ رجل أنا يوم القيامة؟ قال سعيد: أنا أهونُ على الله من أن يُطلِعَني على الغيب، قال الحجاج: أبَيْتَ أن تصدُقَني، قال سعيد: بل لم أُرِدْ أن أكذِبَك، قال الحجاج: دَعْ عنك هذا كله وأخبِرني، ما لك لم تضحك قط؟ قال: لم أرَ شيئًا يضحكني، وكيف يضحك مخلوقٌ من طين، والطين تأكُلُه النار، ومنقلبه إلى الجزاء؟! قال الحجاج: فأنا أضحك، قال سعيد: كذلك خلَقنا الله أطوارًا، قال الحجاج: هل رأيت شيئًا من اللهو؟ قال: لا أعلم، فدعا الحجاجُ بالعود والناي، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناي، بكى سعيد، قال الحجاج: ما يبكيك؟ قال: هو الحزن، ذكرتني أمرًا عظيمًا، أما هذه النفخة فذكرتَني يوم النفخ في الصور، وأما العود فشجرةٌ قُطِعت في غير حق، وأما الأوتار فمن الشاء، تبعثُ معها يوم القيامة، فقال الحجاج: أنا أحبُّ إلى الله منك، أنا مع إمام الجماعة، وأنت مع إمام الفُرقة، قال سعيد: ما أنا بخارجٍ على الجماعة، ولا أنا براضٍ عن الفتنة، ولكن قضاء الرب نافذٌ لا مردَّ له، قال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لأمير المؤمنين؟ قال سعيد: لم أرَه، فدعا الحجاج بالذهب والفضة والكسوة والجوهر، فوضع بين يديه، قال سعيد: هذا حَسَن إن قمتَ بشَرْطه، قال الحجاج: وما شرطُه؟ قال: أن تشتريَ له بما تجمع الأمنَ من الفزع الأكبر يوم القيامة، قال الحجاج: أتحبُّ أن تنال منه شيئًا؟ قال: لا أحب ما لا يحب الله، قال الحجاج: ويلك! قال سعيدٌ: الويل لمن زُحِزح عن الجنةِ فأُدخِلَ النار، قال الحجاج: اذهبوا به فاقتُلوه، فلما أدبَر ضحك، قال: ما يضحكك يا سعيد؟ قال: عجبتُ من جرأتِك على الله، وحِلْم الله عليك، قال الحجاج: اضربوا عُنقه، قال سعيد: دعني أصلِّي ركعتين، فاستقبَل القبلة وهو يقول: إني وجهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، قال الحجاج: اصرفوه عن القِبلة، قال سعيد: فأينما تولوا فثمَّ وجهُ الله، إن اللهَ واسع عليم، قال الحجاج: لم نوكَلْ بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر، قال سعيد: اللهم لا تُسلِّطْه على أحد يقتله بعدي، ثم ضُرِبت عنقه.
ويروى أن دمَه فار حتى ملأ الغرفة وامتد إلى ما تحت كرسي الحجاج، فخاف الحجاجُ وبدأ يهذي فقال: القيد، القيود، فظن الحراسُ أنه يريد القيد الذي في أرجلِ سعيدٍ، فقطعوا ساقيه بالسيوف واستخرجوا القيود، وحُمَّ الحجاجُ بعدها، ولم يعِشْ أكثر من أربعين يومًا، وكان قبل موته يقول: ما لي ولابن جبير، متندمًا على ما فعل.
اللهُ نصير المظلومين:
كان رجلٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الأنصار، يكنى أبا معلق، وكان تاجرًا يتَّجِر بمال له ولغيره، يضرب به في الآفاق، وكان ناسكًا ورِعًا، فخرج مرة فلقيه لصٌّ مقنع بالسلاح، فقال له: ضَعْ ما معك، فإني قاتلُك، قال: شأنك بالمال، قال: لست أريد إلا دمَك، أما المال فإنه لي، قال: أما إذا أبيتَ، فذَرْني أصلي أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: "يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبمُلكك الذي لا يضامُ، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك: أن تكفيَني شر هذا اللص، يا مغيثُ، أغثني، يا مغيثُ، أغِثْني ثلاث مرات، فإذا هو بفارس أقبل، بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه - إلى أبي معلق - فقال: قُمْ، فقال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم، فقال: أنا ملَك من أهل السماء الرابعة، دعوتَ بدعائك، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروبٍ، فسألت الله أن يوليني قتلَه، قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء، استُجيب له؛ مكروبًا كان أو غيرَ مكروب" .
نصيحة عمر بن عبدالعزيز للوليد بن عبدالملك:
قال عمر بن عبدالعزيز للوليدِ بن عبدالملك: إن عنده نصيحةً، فإذا خلا لك عقلك، واجتمع فهمك، فسَلْني عنها.. فمكث أيامًا، ثم قال: يا غلامُ، من بالباب؟ فقال له: ناسٌ فيهم عمر بن عبدالعزيز، فقال: أدخِلْه، فدخل عليه فقال: نصيحتك يا أبا حفص، فقال عمر: إنه ليس بعد الشرك إثمٌ أعظم عند الله من الدمِ، وإن عمالك يقتلون ويكتبون: إن ذنبَ المقتول كذا وكذا، وأنت المسؤول عنه والمأخوذ به، فاكتب إليهم: ألا يقتُلَ أحدٌ منهم أحدًا حتى يكتب إليك بذَنْبه، ثم يشهد عليه، ثم تأمر بأمرك على أمر قد وضح لك، قال: بارك الله فيك يا أبا حفص، فكتب إلى الأمصار، فلم يضِقْ من ذلك إلا الحجاج؛ فإنه أمَضَّه وشقَّ عليه، وظن أنه لم يكتب به إلى أحدٍ غيره، فبحث عن ذلك فقال: من أين دُهينا؟ ومن أشار على أمير المؤمنين بهذا؟ فأخبِر أن عمر بن عبدالعزيز هو الذي فعَل ذلك، فقال: هيهات! إن كان عمرُ فلا نقض لأمرِه.
القرامطة يقتلون الحُجَّاج في مكةَ، ويأخذون الحجَر الأسود:
قال صاحب كتاب البداية والنهاية: "القرامطة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس، بل وعبدة الأصنام، وأنهم فعَلوا بمكة ما لم يفعَلْه أحد، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا، وأنهم من أعظمِ الملحدين الكافرين"؛ ففي حجِّ سنة ثلاثمائة وسبع عشرة، وفي يوم التروية ظهَر القرمطي أبو طاهر بجيشه في مكة، فاستباح الأنفُسَ، ونهب الأموال؛ فقتَل في رحابِ مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحُجَّاج خَلْقًا كثيرًا، وجلَس أميرهم على باب الكعبة والناس تقتل حوله في المسجد الحرام، وهو يقول: أنا أخلُق الخَلق وأفنيهم أنا"، يقول هذا بكل وقاحة وتكبُّر، وكان الناس يفرُّون من أتباعه، ويتعلقون بأستار الكعبة، فلا يُجدي ذلك عنهم شيئًا، بل يُقتَلون وهم كذلك، فقتل الآلاف، ثم رمى القتلى في بئر زمزم، وترك الباقي كالتلال في الحرم، ثم هدم قبة زمزم، وقلَع باب الكعبة، وأخذ الحجر الأسود، ومزَّق كسوة الكعبة وهو يقول لأصحابه: "أين الطيرُ الأبابيل؟ أين الحجارة من سِجيل؟"، وخرجوا بعد هذه الجريمة الكبرى ومعهم الحجر الأسود الذي مكث في حوزتهم ثنتينِ وعشرين سنة.
وقد حاوَل أمير مكة ومن معه من جنده وأهله أن يستردوا الحجَر الأسود فلم يُفلحوا، وبذلوا المال فلم يُعِدْه لهم، بل قاتلهم حتى قتلوا جميعًا، وكان تفوق هذا القرمطي الملحد بسبب ضعف المسلمين وحكَّامهم، وابتعادهم عن التمسك الصحيح بشريعة الله؛ حيث الخلافة في بغداد ضعيفة، يتحكم في أمور الدولة الخصيانُ والعبيد والوزراء المفتونون بالمال والمتاع، فكلُّ همهم أن يحوزوا من الدنيا شهواتِها؛ من مال، وجوار، وضياع، وخَدَم...، فلم يلتفتوا إلى حراسةِ الدِّين، فكان أن طغى هذا القرمطي، ولقد عاقب اللهُ خليفة المسلمين الذي حصلت هذه الجريمة في عهده دون أن يردعَها وهو مقيم ببغداد، عاقبه بأن سلَّط وزراءه وقادته عليه، فقُتِل شر قتلة، ورُمِي به على مزبلة عاريًا بعد أن نُهِب ما معه، حتى ستره فلاح كان مارًّا بهذا المكان.
العفو عند المقدرة:
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلَّمت الحِلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيتُه قاعدًا بفِناء داره، محتبيًا بحمائل سيفه يحدِّث قومه، حتى أُتِي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قتَل ابنك، فوالله ما حل حبوته - بقي كما كان محتبيًا - ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابنِ أخيه وقال له: يا ابن أخي، أثِمْتَ بربك، ورميتَ نفسَك بسهمِك، وقتلت ابن عمك، ثم قال لابنٍ له آخر: قم يا بني، فوارِ أخاك، وحُلَّ كتافَ ابن عمك، وسُقْ إلى أمِّه مائةَ ناقة ديةَ ابنها؛ فإنها غريبة.
مآخذ على بعض الحكَّام:
ومما يعابُ على بعض الحكام أنهم كانوا يسارعونَ إلى القتل عندما يواجهون أية مشكلة مع شعوبهم، وهذا العملُ القبيح ناتج عن الخوف من زوال سلطانهم، وبعضُهم يفعل ذلك لزرعِ المهابة والخوف في النفوس - كالحَجَّاج مثلاً - لكيلا يجرؤَ أحد على قول إلا ما يريدُه الحاكم؛ فهم يتوجَّسون خيفةً من كل داعية إلى الخير، ومن كل ناصحٍ أو ناقد، سواءٌ أحسن التصرف في نصحه أو أساء، فلا يحبون أن يسمعوا إلا ما يحلو لعقولهم، ولا يقبَلون إلا المديح والثناء والإطراء، فتغيب عنهم الحقائقُ وحاجات الناس، وقد قال عمر بن الخطاب: "رحِم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي"؛ فهو يريد النصح والنقد، ولا يريد المديح والإطراء؛ وذلك لكي يصحِّح الخطأ ولا يتمادى فيه؛ لأنه يخاف اللهُ ويخشاه.
ومن الحكَّام مَن يتمادى في الغواية أكثر، فيقبَل الوشاية، ويقتُل على الشُّبهة؛ صونًا لكرسي الحكم من خطر متوهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((فإن الإمام أن يخطئَ في العفو خيرٌ من أن يخطئَ في العقوبة)) ؛ إذ كيف يُحيي مقتولاً إن ثبتت براءتُه؟ لكن يمكن أن يمسك بمن عفا عنه إن ثبتت تهمتُه، وكثيرًا ما يزين خواصُّ الحاكم للحاكم أمورًا متوهَّمة، ويحرضونه على العقاب؛ ليتقربوا منه أولاً، ولكي يعيش في خطر متوهم ثانيًا، فيبقى اعتماده عليهم، وبهذا يحافظون على مناصبهم؛ لذلك يدعى دائمًا للإمام مِن أهل الخير بأن يُرزَق بالبطانة الصالحة، ويُحكَى عن أبي جعفر المنصور، أنه كان يطوف ليلاً حول الكعبة، فسمِع قائلاً يقول: "اللهم إني أشكو إليك ظهورَ البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج المنصور وجلس ناحية المسجد وأرسل للرجل يدعوه، فأقبل وسلَّم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذي سمعتُك تذكُر من ظهور البغي والفساد في الأرض؟ وما يحُول بين الحق وأهله من الطمع؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني - أوجعني - قال: يا أمير المؤمنين، إن أمَّنتَني على نفسي أنبأتُك بالأمور من أصولها...، فقال: أنت آمنٌ على نفسِك، فقُلْ! فقال: إن الذي دخَله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت! قال: ويحك! وكيف يدخُلني الطمعُ والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ قال: وهل دخَل أحدًا من الطمع ما دخلك؟ إن اللهَ تبارَك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالَهم، فأغفلتَ أمورهم، واهتممتَ بجمع المال، وجعلتَ بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجر، وأبوابًا من الحديد، وحَجَبة معهم السلاح، ثم سجنتَ نفسك فيها عنهم، وبعثتَ عمَّالك في جباية الأموال وجمعِها، وقوَّيتهم بالرجال والسلاح، وأمرت بألا يدخل عليك مِن الناس إلا فلان وفلان، نفر سمَّيتَهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حقٌّ.
فلما رآك هؤلاء النفرُ الذين استخلصتَهم لنفسك، وآثرتَهم على رعيتك، وأمَرتَ ألا يحجبوا عنك، لَمَّا رآك هؤلاء تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله، فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه! فأتَمَروا بألا يصل إليك من عِلم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا عابوه عندك ونفَوْه حتى تسقط منزلتُه، ويصغُرَ قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظَمَهم الناس وهابوهم، فكان أولَ من صانعهم عمالُك بالهدايا والأموال؛ ليقوَوْا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك؛ لينالوا به ظلمَ من دونهم، فامتلأت بلادُ الله بالطمع بغيًا وفسادًا، وصار هؤلاء القومُ شركاءَك في سلطانِك وأنت غافل، فإن جاء متظلِّمٌ حيل بينه وبين دخولِ مدينتك، فإن أراد رفع قصتِه إليك عند ظهورك، وجَدَك قد نهيتَ عن ذلك، وأوقفت للناس رجلاً ينظرُ في مظالِمِهم، فإن جاء ذلك الرجلُ فبلغ بطانتك خبرُه، سألوا صاحبَ المظالم ألا يرفعَ مظلمتَه إليك؛ فإن المتظلمَ منه له به حرمة، فأجابهم خوفًا منهم، فلا يزال المظلومُ يختلف إليه، ويلوذ به ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه ويعتلُّ به، فإذا أُجهِد وأُحرِج وظهرت، صرخ بين يديك، فضُرِب ضربًا مبرِّحًا ليكون نَكالاً لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام بعد هذا؟!
ثم بكى المنصور بعد هذه الموعظة البليغة وقال: يا ليتني لم أُخلَق! ويحك، فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلامًا يفزَعون إليهم في دينهم، ويرضَوْن بهم، فاجعَلهم بطانتك يرشدونك، وشاورهم في أمرك يسددونك، قال: قد بعثتُ إليهم فهربوا مني، فقال: خافوا أن تحملَهم على طريقتك، ولكن افتَحْ بابك، وسهِّل حجابك، وانصُر المظلوم، واقمعِ الظالم، وخُذ الفيءَ والصدقات مما حل وطاب، واقسِمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة".
وهنا نرى أن المنصورَ قد تلقَّى هذه النصيحة بالقَبول، وشكر للناصح نصحه، ولم ينقلِبْ عليه أو يفتِكْ به.
وجاء رجلٌ إلى الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أعظك بعِظَة فيها بعض الغلظة، فاحتمِلْها، قال: كلا، إن الله أمر من هو خير منك بإِلاَنة القول لِمَن هو شر مني؛ قال لنبيه موسى إذ أرسَله إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]، وهنا أراد الرشيدُ أن يعلمَه أدب الواعظ، فليس كلُّ حاكم يحتمل شدةَ الوعظ، وقد أُثِر عن الرشيد أنه احتمل الوعظَ، وكافأ عليه رغم شدته؛ لأنه يعرف للعلماء الواعظين حقَّهم.
ووجَّه الأوزاعي رحمه الله موعظةً للحكام فقال: "ما من راعٍ يبيت غاشًّا لرعيته، إلا حرم اللهُ عليه رائحةَ الجنة، وحقيقٌ على الوالي أن يكونَ لرعيته ناظرًا، ولِمَا استطاع من عَوْراتهم ساترًا، وبالحق فيهم قائمًا، فلا يتخوَّف محسنُهم رَهَقًا، ولا مسيئُهم عدوانًا؛ فقد كانت بيدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدةٌ يستاك بها، ويردع عنه المشركين بها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدةُ التي معك؟ اترُكْها، لا تملأ قلوبهم رعبًا، فما ظنك بمن سفَك دماءَهم، وقطَع أستارهم، ونَهَب أموالهم؟! يا أمير المؤمنين، إن المغفورَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر - يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم - دعا إلى القِصاص من نفسِه بخَدْش خدشه أعرابيًّا لم يتعمَّدْه، فقال جبريل: يا محمد، إن الله لم يبعَثْك جبارًا تكسر قرون أمتِك، واعلم يا أمير المؤمنين، أن كلَّ ما في يدك لا يعدل شربةً من شراب الجنة، ولا ثمرةً من ثمارها، ولو أن ثوبًا من ثياب أهل الجنة عُلِّق بين السماء والأرض، لأهلَك الناسَ رائحتُه، فكيف بمن يتقمَّصه؟ ولو أن ذَنوبًا - دلوًا - من صديد أهل النار صُبَّ على ماء الدنيا، لأحمه - سخنه - فكيف بمن يتجرَّعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وُضِعت على جبل لأذابتْه، فكيف بمن يُسلَك فيها - يدخل فيها - ويُرَدُّ فضلُها على عاتقِه؟".
وقد كان بعض الوعاظ يشدِّدُ بالوعظ على مَن جار في حُكمه؛ ليُخِيفه ويردعَه ليكفَّ عن الجَور والعدوان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إن من أعظمَ الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطان جائر)) .

فارس العنزي غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
رسالة لكل زوار منتديات العبير

عزيزي الزائر أتمنى انك استفدت من الموضوع و لكن من اجل منتدى ارقي و ارقي برجاء عدم نقل الموضوع و يمكنك التسجيل معنا و المشاركة معنا و النقاش في كافه المواضيع الجاده اذا رغبت في ذلك فانا لا ادعوك للتسجيل بل ادعوك للإبداع معنا . للتسجيل اضغظ هنا .

قديم 13-02-2021, 02:41 AM   #2


 رقم العضوية :  1
 تاريخ التسجيل :  22-07-2004
 المشاركات :  74,086
 الدولة :  ムレ3乃乇乇尺
 الجـنـس :  ذكر
 العمر :  39
 عدد النقاط :  251196
 قوة التقييم :  عبد الله الساهر تم تعطيل التقييم
 SMS :

حتى لو اجتهدت و قطعت فؤادك.. ووضعته للناس في طبق فضي ليرضوا عنك لن تفلح وربما لن تصل لمستوى يرضيك أنت عن نفسك فاجتهد ليكون الله وحده راضياً عنك وأغمض عينيك عن ما سواه

 اخر مواضيع » عبد الله الساهر
 تفاصيل مشاركات » عبد الله الساهر
 أوسمة و جوائز » عبد الله الساهر
 معلومات الاتصال بـ عبد الله الساهر

افتراضي رد: (13) ذلكم وصاكم به الوصايا العشر


الله يجزيك خير ويكتب أجرك

عبد الله الساهر متواجد حالياً
رد مع اقتباس
قديم 17-04-2021, 02:36 AM   #3
عضو مبدع


 رقم العضوية :  125009
 تاريخ التسجيل :  12-08-2018
 المشاركات :  3,508
 الجـنـس :  ذكر
 عدد النقاط :  10
 قوة التقييم :  أبو أيمن is on a distinguished road
 اخر مواضيع » أبو أيمن
 تفاصيل مشاركات » أبو أيمن
 أوسمة و جوائز » أبو أيمن
 معلومات الاتصال بـ أبو أيمن

افتراضي رد: (13) ذلكم وصاكم به الوصايا العشر


جزاك الله خير..
أسأل الله العلي العظيم ان يجعلها في موازين حسناتك..
ولايحرمك الأجــــــــــــــــــر..

أبو أيمن غير متواجد حالياً
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:17 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
Content Relevant URLs by vBSEO 3.6.0 TranZ By Almuhajir
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
جميع الحقوق محفوظة لـ : منتديات العبير
المحتوى المنشور فى موقع العبير لايعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة وإنما يعبر عن وجهة نظر كاتبها